Make your own free website on Tripod.com

 

د.جـمــال الـصـبــاغ
[مـقـالات مـتـنـوعـه]


 الرهان الخاسر

 

القضية الفسطينية هي لا شك قضية كل العرب بالرغم من موقع الشعب الفلسطيني في الداخل الذي يشكل رأس حربة الصراع. قدره ان يقف في الصف الأول الذي بقدم التضحيات. ولكن يجب ان لا تقتصر التضحيات على من يقف في الصف الأول دفاعا عن كل العرب. التضامن والدعم والمساندة ضروري للصمود وإلا لن يتحقق الإنتصار. ولكن ماذا يمكن ان يقدم الشعب العربي للمقاومة الفلسطينية التي هي رأس حربة الصراع.

لقد راهنت الثورة الفلسطينية على قوتها ثم على الدعم العربي الرسمي والدعم العربي الشعبي والدعم الدولي. يخطىء من يظن ان الثورة الفلسطينية قادرة بمعزلها تحقيق النصر على عدو غاشم يقف من خلفه اكبر قوة استعمارية في هذا العالم وحيد القرن. ولهذا تقتصر حركتها على تفعيل القضية المستمر واحياء المطالبة بالحق الدائم ثم على محاولة تفعيل عوامل الدعم الأخرى.

اخطأت الثورة الفلسطينية في رهانها على السياسة الأمريكية كما اخطأت في تقديرها على تأثير الدعم الشعبي العالمي في الوقت الذي نعلم به ان هناك حلف امريكي صهيوني ذو اطماع بعيدة المدى في المنطقة العربية. ثم ان الدعم الشعبي العالمي لا يمكن ان يتجاوز الدعم الإنساني والتفاعل الإنساني مع قضية هي بعيدة عنه جغرافيا وحضاريا. وهذا ما وقع فعلا. امريكا لم تتأثر بتلك المجازر والرأي العام العالمي وقف مؤيدا ومتضامنا مع الشعب الفلطسيني من ناحية انسانية دون ان تملك القوة الضاغطة على اصحاب القرار الدولي.

ثم اخطأت الثورة الفلسطينية في رهانها على الدعم العربي الرسمي وهي تعلم انها لا تملك حرية القرار .

واخيرا اخطأت الثورة الفلسطينية ايضا برهانها على الدعم العربي الشعبي وهي تعلم انه لا يملك القدرة على التغيير لغياب الطليعة الشريفة التي تقود النضال من نقابات واحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. لقد تفاعل الشعب العربي مع القضية الفلسطينية وخاصة بالأيام القليلة السابقة بصورة لم تشهدها الساحة العربية الشعبية على الإطلاق. ولكنها انتفاضة الغضب التي لا تستطيع التغيير بالرغم من اهميتها. ولكنها تبقى معركة فرضها شارون على الشعب الفلسطيني , فهي معركة شارونية وليست معركة الثورة الفلسطينية حتى وان ارادها البعض ان تكون معركته.

ولكن متى نفرض معركتنا ؟

بالرغم من كل رهان خاسر وبالرغم من كل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني , وبالرغم من تلك المجازر التي قام بها شارون وتخريبة البنية التحتية للشعب الفلسطيني, إلا ان هذا الشعب لم يركع ولم تركع قيادته المتمثلة بالسلطة الفلسطينية. وهنا يبرز معنى الصمود.

الآن بدات الحملة المسعورة من الداخل لتزيد المحنة التي نمر بها محنة جديدة من خلال اتهام عرفات بالخيانة وخاصة بعد ادانته العلنية لقتل "الأبرياء " من الطرف الإسرائيلي. بغض النظر عن المعنى الحقيقي لهذه الإدانة إلا انه يبرز الآن رهان جديد وخاسر ايضا. وهو الرهان على الجبهة الداخلية التي كنّا نتأمل انها متماسكة وتقف صفا واحدا امام المشروع الصهيوني الأمريكي. إلا اننا نلاحظ بروز تلك الأصوات التي ترى ان هذه هي فرصتها للإنقضاض على معنى صمود الجبهة الداخلية واهميته. هذه الأصوات تضيف الآن بعدا جديدا سوف يستغل شارون وجوده لتصفية المقاومة الفسطينية ..

واخيرا وبالرغم من كل هذه الرهانات الخاسرة سوف يستمر صمود الشعب الفلسطيني الذي نأمل ان يجد المزيد من الدعم الفلسطيني الداخلي والدعم العربي الشعبي والدعم العالمي.


العلمانية العربية



الحديث عن العلمانية في مجتمعنا العربي يرافقه العديد من المغالطات , وكأننا نتحدث عن أمر لا نعي ابعاده.

نقول ان العلمانية الحادية وهي غير ذلك بالرغم من وجود علمانية الحادية كما كانت في الدول الشيوعية في المعسكر الشرقي. ونعلم ان علمانية الغرب تربطها علاقة حضارية وثقافية واخلاقية بالدين. ان الدين لا يزال يدرّس في مدارس الغرب, والكنائس لا تزال عامرة بالمؤمنين والكنيسة لا تزال تجمع الضرائب من المسيحيين من خلال الدولة والزواج الكنسي مسموح به وهو يرافق الزواج المدني. رجال الدين والكنيسة لا يزالون يستشارون في العديد من القضايا التي تهم المجتمع ...والخ. أي ان علمانية الغرب ليست ألحادية كما يريد ان يصورها بعضهم لها, ولكنها فصلت تحكم رجال الكنيسة عن السياسة. الذي نراه في الغرب إذن هو بطلان تحكم رجال الكنيسة بأمور الدولة التي هي بدورها لا تحارب الدين وإنما تقيم معه علاقة وثيقة معه حتى وإن اختلفت بعض القوانين الوضعية مع تعاليم الكنيسة.

نقول ان العلمانية هي الضمان للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان, ونحن نعلم انها تختلف من دولة الى أخرى. فالحزب الشيوعي مسموح به في دول الغرب. والحزب النازي مسموح به في أمريكا وممنوع في الغرب العلماني. ثم ماذا عن علمانية تركيا العسكرية, وماذا عن الحرية المزيفة في تونس العلمانية ذات الطابع التغريبي, حيث يمنع الحجاب ويسمح للعراة ان يتمتعوا تحت سماء شمس تونس بالرغم مما تنافى ذلك مع عاداتنا وتقاليدنا وادياننا.

إننا نواجه علمانيات ولا ينحصر الأمر على علمانية واحدة ثابتة المعالم. ولكن ماذا نريد من العلمانية وكيف نفهمها.

- لا نريد تقليد علمانية الغرب التي هي تتنوع وتختلف من بلد الى آخر.
- لا نريد علمانية تونس التغريبية ولا نريد علمانية تركيا العسكرية
- نريد الديمقراطية وتداول السلطة بالإنتخاب الحر المباشر
- نريد ضمان حقوق الإنسان وحريته في التعبير بغض النظر عن الدين والمذهب والفكر
- نريد ان لا يتدخل رجال الدين بالسياسة لأن الدين ثابت والسياسة متغيرة بفعل الزمان والمكان
- نريد الحفاظ على موروثاتنا الحضارية والفكرية والدينية وصونها من أي عبث سواء من رجال الدين او رجال السياسة.
- نؤكد على ضرورة فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية
- نريد ان نرى الحاضر والمستقبل بعيون الحاضر وعيون المستقبل وليس بعيون العصور الوسطى وهي ليست عصورنا.
- نريد العدل والمساواة بين الجميع كما نريد ان نكون جزءا من هذا العالم الواسع وليس فوقه وليس تحته, نقدّم له ونأخذ منه.


هذا ما نفهمه حول العلمانية العربية والتي عليها ان تختلف عن علمانيات الغرب والشرق لإختلاف المجتمعات واختلاف الحضارات وكل مجتمع عليه ان يراعي ظروفة الخاصة ومعطيات وجوده.


يخطىء من يظن ان العلمانية تحمل بيدها العصا السحرية لحل جميع مشاكل المجتمع , وإن كان كذلك لحلت مشكلات العالم كله. ولكي نحدد ماهية المشكل التي يعاني منها المجتمع العربي فيمكن تلخيصها بالجهل والتخلف الناتج عن قلة العلم وعدم المعرفة. والسبب في ذلك هو القهر والإستبداد الذي عانينا منه قرون طويلة والذي كان له السبب الأعظم لما وصلت له حالة الأمة بالرغم من ان في ذلك تبسيط كبير وليست هذه هي القاعدة. قد يكون القهر والظلم والإستبداد حافزا للتحدي كما وقع مع يهود اوروبا. الذين كانت لهم ابداعاتهم العلمية والفنية والمالية في عصور استبداد الغرب بهم وظلمه لهم.


عندما نتحدث عن العلمانية فإننا نتحدث ايضا عن الحرية والديمقراطية التي ينطلق العقل من خلالها الى الإنفتاح كي يكون قادرا على الإبداع, إذ لا تقدم دون حرية ودون ديمقراطية . إن الإبداع بحاجة الى حرية التفكير وحرية التعبير دون قيود على ان لا تتعارض هذه الحرية مع موروثاتنا الفكرية والثقافية والعقدية.. ولما صاغت اوروبا علمانيتها على هذا المرتكز رأينا انفسنا وبطريقة لا شعورية نقف بكل انبهار امام التقدم العلمي الذي انجزته شعوب الغرب بعد مخاض طويل من الحروب والويلات. مع العلم ان الغرب بدأ بعلمانيته في القضاء على تسلط رجال الدين وتحكمهم في امور الدولة وتضييقهم مساحة العقل وحريته . ولكن التجربة الأوروبية لم تقتصر على ذلك بل تعدته الى صياغة منظومة متكاملة تناولت مختلف قضايا المجتمع. ولكننا نسيء الظن إذا اعتقدنا انه بالإمكان تقليد تجربة خرجت من مجتمع يختلف عن مجتمعاتنا, ولكن علينا بدراستها واستنباط ما يناسب ظروفنا وخصوصياتنا. لذلك وجب التصدي لكل محاولة تصف العلمانية التي نتحدث عنها بالإلحاد أو بالتغريب.


ولكن كيف انتقلت العلمانية الى المجتمعات العربية ؟


لقد انتقل هذا المصطلح الى المجتمع العربي للخروج من براثن الإستعمار التركي ومحاولاته تتريك العرب ثقافة وتاريخا. لقد استعمر الترك العرب باسم الدين, فطالبنا بالتحرر وعدم استغلال الدين. وكان للعرب كل الحق ان ينمّي شعوره القومي ليقف امام شراسة القومية الطورانية, وكان للعرب ايضا الحق في الدعوة الى الحرية والديمقراطية ليواجه الإضطهاد والإستبداد العثماني. ولكن هل كان للعرب الحق في اختيار قوالب غربية ظهرت ومنها العلمانية لتحقيق الهدف المنشود ؟


لقد نجح التيار المعادي للعلمانية ان يحشر العلمانيين في زاوية يصعب الخروج منها وهي زاوية العلمانية الغربية بكل ما بها من سلبيات لا ترجع لمفهوم العلمانية بل الى اختلاف فهمها والتعامل معها. لقد تحولت قضايا الأمة العربية الى صراع بين تيار اسلامي محافظ وتيار علماني على حساب العديد من القضايا المهمة التي تواجه الأمة وأهمها قضايا التحرر من الإستعمار والوحدة العربية والنهضة الإقتصادية كمشروع حضاري يقف للتصدي امام هجمة المشروع الإستعماري.


ربما نقف طويلا عند ردات فعل العلمانيين امام هجمة التيار الإسلامي. هذه الردات التي قد تحول مشروع الأمة الحضاري الى طريق يفتقد الى الموضوعية التي يجب ان تكون شعار يرافق مسيرتنا. وهنا اتساءل أين وقفة العلمانيين العرب لما يجري في تركيا كنظام عسكري مستبد باسم العلمانية. واتساءل اين يقفوا امام ما يجري في تونس من مخالفات بإسم العلمانية ايضا من محاولات تغريب المجتمع وثقافته وحضارته, كما واتساءل ماذا عن العلمانية اللبنانية وهي علمانية طائفية.
لا نخاف من العلمانية في نبذها تسلط رجال الدين واستغلال الدين للدين نفسه من مفهوم ضيق متحجر وجامد في الكثير من الأحيان يفتقد الى روح التسامح والإنفتاح العقلي. ولكننا نخاف من العلمانية في صعود المشروع التغريبي الذي يفتح مجتمعنا العربي ذات الخصوصيات الدينية والحضارية كي يتحول الى مجتمع غربي يخلق صراعا حضاريا نريده ان يكون التقاء بناء قبل ان يكون صراعا يهدم بيد قوية. أخاف من عولمة العلماينة بإسم تحديث المجتمع.


اننا نقف امام شعارات برّاقة ونقول ان الإسلام هو الحل ولا ندري أي اسلام, او نقول ان العلماينة هي الحل ولا ندري أي علمانية او يقول بعضنا ان الماركسية هي الحل ولا نعرف أي ماركسية. ولم نتفق الى الآن ما هو الإسلام وما هي العلمانية وما هي الماركسية. أليست هذه هي المشكلة الحقيقية ؟



االقذافي عبء على القومية العربية
Go To top



جمال الصباغ


ليس كل من يتحدث باسم العروبة يمثل تطلعات الأمة وهي تناضل من اجل تحقيق اهدافها. بل العديد منهم اساء للعروبة والبسها ثوبا ليس لها. ثلاثة امثلة نعيشها وهي النظام في العراق وفي سوريا ثم في ليبيا. إن النظام القمعي في كل من سوريا والعراق لا يمثل التوجهات القومية للشعب العربي. وجاءت محاولة صدام احتلال الكويت بالقوة لتضرب الحركة القومية في قلبها.

أما الآن فيأتي من اعتقد حقيقة انه امين القومية العربية ليتبرأ من العرب ومن العروبة. وهنا يتململ قلب عبد الناصر في قبره ألما على تلك الهفوة عندما قاله عنه انه امين القومية العربية. ولكن القذافي لم يكن يعلم ان ذلك يعني الإلتزام بمبادىء القومية والعمل من اجلها.

لقد اراد القذافي ان يتجاوز الزعامة الكاريزماتية لعبد الناصر وبدأ يتخبط في جهله عندما اراد ان يكون الكتاب الأخضر بديلا للمشروع القومي الذي قاده جمال عبد الناصر... اراد تحقيق الوحدة العربية كي يكون زعيما للأمة وفشل في كل مشاريعه الوحدوية. نادي بالوقوف الى جانب حركات التحرر العالمي فساند الإرهاب في كل بقاع العالم. طرق كل الأبواب التي اعتقد ان يدخل من خلالها الى فيادة الأمة العربية فسدت في وجهه ليس رفضا لما آمن به بل رفضا لأسلوبه المراهق من اجل تحقيق تلك الأهداف.

ولكن مسؤولية فشل القذافي لا يتحملها القذافي وحده بل العديد من التنظيمات العربية وخاصة القومية منها التي رأت هي ايضا به امينا للقومية العربية. كم من تنظيم عربي سواء على الساحة الفلسطينية او على الساحة القومية لجأت له رغبة في البحث عن القيادة البديلة بعد غياب عبد الناصر. ولكن شهوة القذافي في الزعامة التي خلقت لديه جنون العظمة افشل كل تعاون مع كل تلك التنظيمات.

الآن وبعد ان فشل في زعامة الأمة العربية بدأ يبحث عن بديل واعتقد انه وجدها في افريقيا وهو لا يعلم ان الذي تريده افريقيا ليس صوت العقيد وخطبه الرنانة بل رنين دولاراته التي اعتقدت افريقيا انها وجدتها في طرابلس القذافي.

من هنا نستطيع ان ننظر ا لى عزم العقيد الإنسحاب من جامعة الدول العربية بعد أن نفذ صبره وهو ينتظر القرارت الحاسمة التي على الجامعة ان تأخذها وهو يعلم ان ارادة الجامعة العربية هي ارادة مجموع الزعماء العرب , وهم الذين لا ارادة لهم. ولو نظرنا لرغبة العقيد في الإنسحاب دون ان نعلم من هو العقيد لوقف الشعب العربي معه تعبيرا عن تخاذل الجامعة العربية والزعماء العرب لعدم تلبيتهم الحد الأدنى لتطلعات الشعب العربي وهو يواجه اكبر التحديات التي تهم مصير وجوده.

ولكن وبالرغم من كل ذلك, وبالرغم من المرارة التي تولدت لدي العقيد في تقاعس الأنظمة العربية في الوقوف الى جانبه اثناء الحصار الدولي الذي قادته امريكا ضد الشعب الليبي , وبالرغم من تخاذل الأنظمة العربية والجامعة العربية , وبالرغم من مأساة العرب في فقدانهم الإرادة, لا نريد للقذافي ان ينسحب من الجامعة العربية. فإن اراد العقيد التحدي فعليه بالمواجهة وليس الهرب كي لا يكون عبئا على القومية العربية.





التيار التغريبي

لا شك ان للغرب حضارته بكل ما تحتوية هذه الكلمة من علم وثقافة وفكر وفلسفة وفن, وهي التي جعل منها له موقعا متميّزا من الغير نتيجة التقدم العلمي والمعرفي. فأصبح للغرب مرجعية يقيس من خلالها ليس فقط التقدم والتخلف , بل الصحيح والخطأ, الجائز والممنوع, الفاسد والصالح,
ولا شك ان يبهر العالم كله بهذه الحضارة التي اصبحت لدى العديد معيارا يحتذى به.
هذه هي الصفحة المضيئة للغرب وحضارته. ولكن هناك صفحة أخرى يتجاهلها هؤلاء المبهرون بالغرب وحضارته وتقدمه, وهي الحروب التي خاضها الغرب سواء داخل الغرب نفسه او مع الغير من العديد من الدول والشعوب في مختلف القارات. تلك الدول التي تحولت الى مستعمرات يستغل طاقاتها بالقهر والظلم والتعسف. فالغرب الإستعماري هو لا شك جزء من الحضارة الغربية , كما هي تلك النظرة المتعالية التي عانى العديد من شعوب الأرض منها.
نقول ذلك لأننا نقف اليوم اقرب الى البارحة, حيث بدايات النهضة والأمة العربية تحاول ان تخرج من مأزق التخلف والجمود كما حاولت سابقا وانتكست. ولا يزال السؤال مطروحا عن كيفية الخروج من هذا المأزق ونحن نقف امام هجمة حضارية غربية بكل ما بها من نور وظلم وهي تلتهم الأخضر واليابس في ظل العولمة, فضاع الإنتماء وضاعت الهوية تعبيرا عن عدم القدرة في مواجهة تلك الهجمة, ولم نعد ندري أين المفر.

ونحن في محاولة البحث عن الذات لا بد من خطوة جريئة تقول أن الغرب لا يشكّل مشكلة لنا بل هو مشروع تحدي ومواجهة او قبول وانصهار.
إن من يدعو الى الإنصهار بالغرب وحضارته والرضوخ الكامل لهجمته مثله مثل الرافض لها بالمطلق , والداعي الى الإنكماش على الذات. تيار يرى خير الغرب دون شره وآخر يرى شر الغرب ولا خير منه. التيار الداعي الى الإنصهار يتجاوز حقائق التاريخ والإنتماء وفطرة التعددية الحضارية كما هو التيار الرافض للتفاعل والداعي للإنكماش والإنغلاق الذي يملك غلو الإنتماء..

ان الدعوة الى الإنصهار الحضاري بحضارة الغرب كما يقول به التيار التغريبي هي البحث عن انتماء وهوية يعتقد من يسعى لها انه قد يجدها بانتمائة الى حضارة غيره مبهورا بها متجاوزا كل خصوصيات ثقافته .

يقول قاسم امين في كتابه المرأة الجديده :
"إن اوروبا متفوقة علينا في كل شيىء, وإنه وإن كان يطيب لنا أن نظن ان الأوروبيين افضل منّا ماديا, وإننا افضل منهم روحيا وأخلاقيا, فإن هذا ليس صحيحا, فهم أفضل منّا خلقيا وروحيا ايضا."
ألا يدل قول قاسم أمين على جهله بالتاريخ. أين كان قاسم أمين عندما استعمر الغرب شعوب الأرض وقهرها واستغل ثرواتها ؟
ألم يكن هو الغرب وحضارته التي خاضت الحروب المذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت وقادت الحروب القومية بين الألمان والفرنسيين.
ألم يكن هو الغرب الذي برزت منه العنصرية الآرية وهي التي كانت السبب في حروب اوروبا الداخلية وويلاتها ايضا؟
أليس هذا الفكر النازي العنصري جزء من الحضارة الغربية ؟
حتى وإن تفوق الغرب عنّا حضاريا فهل يعني ذلك ان نتخلى عن شخصيتنا ونذوب في تلك الحضارة ؟

إن أمل الأمة العربية وهي تصيغ مشروعها النهضوي لا تستطيع ان تتخلى عن خصوصياتها الثقافية بالرغم من كل انبهار بالغرب وتقدمه. بل هي مطالبة ان تأخذ من الغرب ما يتفق مع تلك الخصوصية. ويبقى جوته محقا عندما قال " الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا " بمعنى انه لن تستطيع حضارة ان تذوب وتنصهر بالأخرى بل تتفاعل معها , تأخذ منها وتعطيها.




هل انتهى عصر العرب حقا





بعد حرب الخليج قال جون كيلي مساعد وزير الخارجية الأمريكية آنذاك :


" لقد انتهى عصر العرب تماما, لقد زال العرب من الوجود, من يريد الحفاظ على ذاته من العرب امامه بوابة وحيدة وهي التخلي عن عروبته "

إن كل ما نشاهده اليوم ما هو سوى التنفيذ العملي لتلك التنبؤات , وما هي حرب الخليج سوى بداية ذلك المخطط الذي نعيش ابعاده كل لحظة.

ولسوء الحظ لم تنتبه الأنظمة العربية ولم ينتبه صدام حسين ولا الشعب العربي لتلك المخططات إلا بعد أن وصلت الى مرحلة تنفيذ الخطوة الأخيرة وهي الإحتلال وتنصيب الحاكم العسكري الأمريكي ثم البدء في تغيير الخارطة السياسية لكل المنطقة.

لقد راهنت امريكا على خنوع الأنظمة وعلى ضعف الشارع العربي وعلى تأييد العالم "الحر" دولا وشعوبا. ونجحت في الرهان الأول والثاني ولكنها لم تنجح في رهانها الثالث وهذا هو مصدر قلقها الحقيقي. ولا يتعلق الأمر بشرف تلك الدول الغربية التي تقف اليوم في مواجهة الهيمنة الأمريكية بقدر ما هو تعارض مصالح الدول الغربية سياسيا واقتصاديا مع الهيمنة الأمريكية.

إن ذلك الغرور الأمريكي ونظرته المتعالية الى الأمور اعمى الإدارة الأمريكية عن حقيقة حتمية وهي ان الشعوب لم تعد ترضى بالإستعمار, وإن قبلته اليوم فهي لن تقبله غدا. قد تستمع امريكا اليوم الى تلك الأصوات المؤيدة لها والداعية للوجود الأمريكي الى المنطقة بحجة تحرير الشعوب من قمع انظمتها. ولكنها غفلت عن فطرة الإنسان ان يكون حرا سواء كان من قمع داخلي او استعمار خارجي. هذه كانت رغبة كل شعوب الأرض التي تحررت ,

قد تحتل امريكا المنطقة , وقد تنهب خيراتها النفطية, وقد تقوم بالتغيير السياسي في رسم الخارطة الجديدة ولكنها لن تستطيع ان تقهر امل الشعوب في الحرية.

عصر العرب لم ينتهي من الوجود كما تنبأ به جون كيلي , بل ان عصر العرب سوف يبدأ الآن من جديد.

لقد قاوم العرب الإحتلال البريطاني وتحرر منه, وقاوم الإحتلال الفرنسي وتحرر منه وقاوم الشعب اللبناني بقيادة حزب الله في الجنوب وتحرر, وها هو يقدم اسمى معاني التضحية من خلال مقاومته في فلسطين . ولنتذكر قليلا ماذا حصل لقوات المارينز الأمريكي في بيروت وما حصل لها في الصومال.

وسيحمل هذا الإستعمار عصاه على ظهره وسوف يرحل كما رحل غيره.
ولن ينتهي عصر العرب.


لا بد من التغيير



لا بد من تغيير النظام العربي بكل ما يحتوية من انظمة متخاذلة اثبتت عدم قدرتها ان ترتفع الى مستوى المسؤولية لا حربا ولا سلما. لقد اثبت هذا النظام العربي اثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي من جديد عدم قدرته على الحركة الحرة بالرغم من امتلاكه كل المقومات الحركية الفاعلة إن توفرت الرغبة والإرادة الحرة.

لا شك ان النظام العراقي ضمن هذه المنظومة العربية الرسمية ولا يرتفع عنها وهو الذي كان السبب وإن لم يكن وحده فيما وصلت الحالة العربية له من تبعية مطلقة لإرادة امريكية وغربية كبلت حركته وارادته, وإرتماء في الحضن الأمريكي يوم كان النظاتم العراقي مرضيا عنه عربيا وأمريكيا.

النظام العراقي هو المطلوب رأسه الآن سواء كان امريكيا او محليا حتى وعراقيا. ولكننا لا نريد ان يكون النظام العراقي هو الضحية الوحيدة الذي يذهب الى المقصلة تحت ضغوطات كي تحمي الأنظمة العربية المتهالكة . فإن سقط النظام العراقي فلتسقط معه كل الأنظمة. ولكن عدم القدرة على اسقاط الأنظمة لا يجب ان يعني الدفاع عن النظام العراقي وحمايته من السقوط بإرادة شعبية عراقية.

الحل لا يمكن بل لا يجب ان يكون امريكيا او غربيا . ولا يجب ان يكون عربيا رسميا. بل يجب ان يكون التعبير عن ارادة الشعب العراقي . لا نريد أن يسقط النظام العراقي ارضاء لأمريكا او لأي نظام عربي بل تأكيدا على رغبة الشعب العراقي في تقرير مصيره ومصير من يحكمه. لذلك لا بد من ان يقوم النظام العراقي بمصالحة مع نفسه اولا ثم مع الشعب العراقي ايضا وان يتقدم بخطوة جريئة من اجل قيام النظام العراقي الديمقراطي الحر تعبيرا عن كل فئات الشعب العراقي وبعيدا عن كل ضغط امريكي او بريطاني او عربي.

خطوة جريئة على النظام العراقي ان يقوم بها رغم استحالتها ,ولكن لا بد منها.

قد نعتبر رؤية الشيخ زايد , وبالرغم من سذاجتها, تعبيرا عن حس وطني من اجل إنقاذ شعب العراق من ويلات الحرب. ولكنها لا تخدم شعب العراق بل اعداء العراق. ولا عجب ان تتفق هذه الرغبة الإماراتية مع رغبة امراء الكويت وبعض اطراف المعارضة العراقية التي بدأت تشعر بخيانة امريكا لتلك الوعود التي قدمتها لها من اجل استمالتها اولا. لا النظام الإمارتي ولا اي نظام عربي يمكن ان يكون مؤهلا لتقديم مثل هذا الإقتراح.

ويبقى الحل الوحيد بيد النظام العراقي نفسه وبيد شعب العراق الوطني الذي رفض العمالة والخيانة, وهو نفسه صاحب الحق في التغيير بمعنى عدم الإستسلام للواقع المرير ورفض الإعتماد على العم سام او الشيخ زايد.



فإذا اردنا التغيير, علينا به ولكن بقدراتنا وطاقاتنا الذاتية. هكذا سقط نظام الشاه وهكذا سقطت المنظومة الإشتراكية في مختلف دول اوروبا الشرقية. لم تأتي امريكا لتحررهم بل هم حرروا انفسهم لأنهم ابتعدوا عن ثقافة الإستسلام وعن ثقافة الإتكالية.

لا يجوز ان نأتي بأمريكا عند رغبتنا و رغبتها بتغيير نظام ما . اليوم العراق وغدا الأردن ثم سوريا الخ الخ.

لماذا لا نركز كل جهودنا على طاقاتنا الذاتية وقدراتنا بتفعيل ارادتنا كغيرنا من شعوب الأرض. وإن فقدنا القدرة على ملك الإرادة فنستحق ما وقع بنا بل المزيد ايضا..

عصر الإنقلابات العسكرية قد ولّى لسوء الحظ او لحسنه. ولكن المطلوب هو التغيير بالإرادة الشعبية وتفعيلها حتى وإن كره كل حاكم. ما دمنا غير مقتنعين بقوة الإرادة الشعبية نبقى عالة على انفسنا وعلى غيرنا.

ولكن أين هو الشعب الذي عليه ان يكون صاحب الإرادة في التغيير ؟

صحيح اننا لا نشاهد حركته ولكن ذلك لا يعني عدم وجوده. فقدان حركة الشارع لا يعني ان نوافق على قدوم امريكا الى المنطقة بحجة التغيير, ونحن نعلم ان امريكا لا تعني التغيير كما نراه ونريده. امريكا هي التي تسعى لخدمة مصالحها وهذا من حقها , ولكن ذلك لا يعني القبول بها.
وإذا فقد الشعب ارادته من اجل التغيير فهذا تقصير من الشعب نفسه. قد تمر على الشعوب مراحل تخلف وانحطاط ولكن التخلف والإنحطاط ليس قضية مصيرية وليس قدر مكتوب.
.
لفد عاشت كل شعوب العالم مراحل مختلفة من تخلف وانحطاط ولكنها نهضت. هذا الشعب الذي نبحث الآن عن حركته كان له دور كبير في التاريخ العربي يوم تخلفت شعوب أخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نهضت الشعوب ؟

الشعب بحاجة الى الأمل بدل الإحباط واليأس. الأمل الذي نتطلع من خلاله الى رؤية واضحة للمستقبل, أما الإحباط هو الذي يفرض علينا قبول الواقع بكل مراراته بإسم العقلانية والواقعية.

قد نقول ان الإسلام ليس هو الحل. وقد نقول ان القومية ليست هي الحل ايضا. ولكن امريكا لن تكون الحل ابدأ.

الحل هو ان تشعر الشعوب بقدرتها على التغيير وإيمانها به.