Make your own free website on Tripod.com

 

عـبـدالـنـاصــر والـبـعــث
[محمد عودة]

عبدالناصر والبعث 2

[محمد عودةى]

ندوة عالم مابعد 11 سبتمبر
[]



إ عـبـدالـنـاصـر والـبـعـث

 

 

عبد الناصر والبــعث 1 :


سقوط الوحدة·· بين اخطاء البعث ومسؤولية عبد الناصر
مواقف متعددة ومتذبذبة للبعث من الوحدة منذ قيامها·· إلى مابعد فشلها
القيادة القوميةتحدثت
عن انتكاسة الوحدة قبل الانفصال بسنة
الحوراني
كان مهووسا بالعداء لعبد الناصر·· وعبد الناصر رفض اقتراحه بقيادة مشتركة للوحدة·
عفلق:
ضعف البعث في 1958 أسهم في فشل الخطوة التاريخية

عبدالناصر والبعث، فصل مهم في التاريخ العربي المعاصر، ولكنه فصل لم يكتب كاملاً بعد، وهل ادل على ذلك من ان المكتبة العربية لم تعرف حتى عام ،1995 وغالباً حتى اليوم، سوى دراسة وحيدة، اتخذت هذا الموضوع وبشكل مباشر محوراً لها، أعني بذلك دراسة عبدالعزيز حسين الصاوي عن العلاقة الناصرية - البعثية - دراسة استطلاعية في أزمة تطور الثورة العربية ، والصادرة عن دار الطليعة في بيروت·
حقاً، هناك العشرات بل المئات عن الكتب والبحوث والدراسات، سواء عن عبدالناصر، او البعث، قد تناولت هذا الموضوع، اي العلاقة بينهما، ولكن بشكل هامشي او ثانوي، وهناك عدد كبير من الندوات حول عبدالناصر، وحول البعث، ولكن المرء لا يذكر ندوة واحدة اخضعت العلاقة بينهما للبحث والدراسة، فلماذا هذا القصور او التقصير؟ وهل هو عمدي؟· لقد كانت العلاقة الناصرية - البعثية، بسلبياتها وايجابياتها، بأخطائها وانجازاتها، تجربة خصبة، فلماذا هذا التجاهل؟· إن السؤال يصبح اكثر الحاحا في ظل استمرار نظامين يحكمان باسم البعث في سوريا والعراق، وفي ظل وجود حزب علني في مصر يصرح بانتمائه الى الناصرية، فماذا فعل النظامان والحزب من أجل دراسة هذا الموضوع دراسة علمية موضوعية؟· حتى الآن لاشيء تقريباً، سوى ان نظام البعث في بغداد اكتفى باصدار الاعمال السياسية الكاملة لفيلسوف حزبه اي ميشيل عفلق، كما رعى اصدار سلسلة نضال البعث التي تضمنت أهم وثائق وبيانات وتصريحات الحزب منذ نشأته·
ان دراسة العلاقة الناصرية - البعثية ليست مطلوبة فقط لسد نقص كبير، بل وخطير، في التاريخ العربي والسياسة العربية الحديثة، إنها - فوق ذلك - مطلوبة لأن أخطر انعطافات التاريخ السياسي العربي المعاصر بقى في ظلام الاهمال او الاضاءة الجزئية المبتسرة التي تزيده ابهاماً حسب تعبير عبدالعزيز الصاوي الذي يقرر انه من المستحيل الفهم الشامل والمجدي مستقبلياً للتقلص المطرد في حيوية التيار القومي، بالرغم من نجاحاته في جبهة أو أخرى بعد الانشقاق بين جناحي قيادته، دون تقصي أبعاد تلك الأزمة كمظاهر ونتائج وأسباب·
فمنذ فترة كلفني مركز ابحاث بإعداد ورقة حول هذا الموضوع، اي العلاقة الناصرية - البعثية، وقد شغلني هذا التكليف طويلا، سواء بحثا عن مصادر ضرورية، لم تكن متوفرة مثل مذكرات اكرم الحوراني أحد اضلاع قيادة البعث الثلاثية التي نُشرت حلقات منها في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، ولم تكن قد نشرت كاملة بعد، وكذلك الكتابات السياسية الكاملة للأستاذ ميشيل عفلق، وهي مطبوعة في بغداد فيما بين 86 و88 ولكن الأهم، في تقديري، من غياب هذا المصدر أو ذاك، هو محور التحليل، خاصة وان مثل هذه الدراسة، وهي اصلا ورقة بحث كما سبق القول، لا يفترض فيها الشمول، ولا تنتظر منها تغطية كافة جوانب العلاقة الناصرية - البعثية·
احاول في هذه الدراسة ان اركز على البحث عن جواب لسؤال: أيهما أثر في الآخر أكثر: عبدالناصر أو البعث؟· على ان أطرح مبرراتي وأسبابي لذلك·
وفي مرحلة ثانية احاول ان اتطرق لهذه العلاقة من خلال قضية فلسطين، وأين اتفقا؟ وأين اختلفا؟ ولماذا؟·وبعد إعادة قراءة كتابات عديدة، سبق للمرء أن قرأها، في حين لم يسعف الوقت بقراءة كل ما كنت أود قراءته أو مراجعته، رأيت ان انطلق من افتراض ان البعث كحزب سياسي قد افتقد مقومات الحزب، التي نعرف انها ثلاثة: العقيدة (الايديولوجية)، والقيادة، والتنظيم، مما قاده إلى العجلة في وحدة 1958 والى ارتكاب خطأ يرقى الى حد الخطيئة بتأييده الانفصال في ،1961 إن هذه نظرة أعمق في التحليل والمقارنة، ولكنها قد تفرض حجماً من الكتابة أكبر، لذلك، اخذت نفسي بالايجاز، الذي سيبدو احياناً مخلاً، وحاولت ان أسد الثغرة في ذلك بالاحالات الى المصادر·
وسيكون مصدر سعادة لي ان يثير هذا المدخل نقاشاً واسعاً، اثق انه سيكون عوناً لي في إعادة كتابة هذه الورقة في شكل بحثي، اطمع ان يسد ثغرة في هذا المجال، وان يكون لبنة اخرى بعد دراسة الصاوي الرائدة والعميقة، وإن شابها غموض في التعبير أحياناً·
في 23 فبراير ،1958 اي في اليوم التالي مباشرة للاستفتاء على الوحدة المصرية السورية، وقيام الجمهورية العربية المتحدة، وعلى رئاسة جمال عبد الناصر لها، أذاع ميشيل عفلق البيان التالي:
في الساعة السادسة من مساء الأحد 23/2/،1958 عقد مجلس حزب البعث العربي الاشتراكي بالقطر السوري، اجتماعا استمع فيه الى بيان القيادة القومية وقرارها بحل فرع الحزب في الجمهورية العربية المتحدة، وبذلك يعتبر حزب البعث العربي في الجمهورية العربية المتحدة منحلا بكافة منظماته ومؤسساته ·
وارتجل ميشيل عفلق الامين العام للقيادة القومية خطابا في المجلس القطري للبعث في سوريا، تناول فيه اسباب الحل وغاياته، (1) ولم يتطرق بكلمة واحدة الى ظروف الازمة في داخل الحزب، مع أنها كانت تنخر في عظامه منذ سنوات (2) ولكن، بعد سنوات أخرى، وفي مايو ،1962 اي بعد الانفصال، وحين عقد المؤتمر القومي الخامس للحزب، تحدث عفلق عما لم يتحدث عنه في 1958 قدم عفلق لحديثه عن الحزب بمقدمة عن الوحدة، قال فيها: (3)
لم يكن الحزب يجهل أن إقليم مصر لم يكن مندمجا بالفكرة القومية العربية وبالحركة العربية اندماج بقية الاقطار بها·
لم يكن يجهل التفاوت القائم بين مصر وسوريا والذي يمكن ان يؤدي الى شيء من طغيان الاقليم الكبير علي الاقليم الصغير·
لم يكن يجهل ان النظام الذي كان قائما في مصر لم يكن نظاما ديمقراطيا·
وهو مع ذلك تحمس لهذه الخطوة واعتبرها ــ كما اعتبرها الشعب العربي كله ــ عملا تاريخيا
ندع مناقشة هذه المقدمات جانبا، كي ندخل في حديث الامين العام للبعث عن الحزب في ،1958 حيث قال:
نقطة هامة واساسية كان الحزب يعرفها ولا يصرح بها، يعرفها ويغالط نفسه احيانا في التغاضى عنها، ساهمت مساهمة كبيرة في تفشيل هذه الخطوة التاريخية، هذه النقطة التي اشير اليها الآن والتي قد نعود اليها بتفصيل اكبر، هي ان الحزب في اوائل عام 1958 عند قيام الوحدة لم يكن موجودا الوجود الحقيقي السليم، وانه بالتالي لم يكن مستعدا ان يأخذ هذه العملية الضخمة بكفالته وعلى مسؤوليته وبحمايته، هذه حقيقة يجب ان تعرف لا بل هي أهم ما يجب ان يعرف في مؤتمر قومي للحزب·
ان الحزب كان يعاني من التناقضات والضعف والميوعة والهجانة، بمعنى ان اصالته الثورية قد شابتها الشوائب التي فعلت فعلها الكبير، فبدلا من ان يواجه الحزب هذا المستقبل الذي يبتدئ منذ قيام الوحدة، ان يواجهه بحماسة وقوة وتفاؤل وامكانيات معدة ومهيئة للعمل والنضال لحماية هذه العملية التاريخية، كان الحزب وبالأحرى كانت عناصر كثيرة فيه، واقصد في سوريا بالدرجة الاولى، والموضوع كان محصورا في سوريا بالذات كانت ترى في تحقيق الوحدة اجازة لها من النضال واراحة ونهاية وخاتمة ومفترجا للمشاكل المتسعصية في الحزب بدلا من ان تعتبر نفسها وتعتبر الحزب اكثر مسؤولية عن حسن تطبيق الوحدة وعن حمايتها من اي انحراف او خطأ من عبد الناصر نفسه 12000

3 أمراض:

قطعت جهيزة قول كل خطيب· ولكنها جهرت فقط بما كانت تخفيه وهي تعلمه، ولذلك لم يقف الامين العام لحزب البعث العربي الاسلامي عند هذا الحد من تشريح حزبه في واقعه عند قيام الوحدة، بل اضاف: ان الحزب عندما عمل الوحدة لم يكن في حالة تمكنه من حمايتها، واما القبول بحل الحزب فكان خطأ بلا شك، وخطأ كبيرا، الا انه ـــ في واقع الامرـــ كان تكريسا لشيء موجود وحاصل، ولا اظن ان الكلام هذا يمكن ان يؤخذ بالدقة الرياضية، المقصود أن الحزب في ذلك الوقت كان يعاني من عوامل التناقض والتشويه والانحلال بداخله ماكان ينذر بانه سيحل نفسه، فلو افترضنا بأن الحزب كان موجودا بتكوين سليم، وباتصال وثيق حي مع الشعب، هل تعتقدون ان قرار الحل كان سينفد بتلك السهولة التي نفذ بها··؟ بهذه الامانة التي هي في واقع الامر ليست امانة، لو كان الحزب قائما بالفعل ووجد من قبل بحله لاستمر الحزب غير عابئ بالذين اقروا الحل، او لكان الذين اقروا حل تنظيم الحزب، عادوا منذ اليوم الثاني الى تنظيمه سريا· كان قرار الحل لكي لا تضيع فرصة الوحدة، انما كان الحزب بقى سريا ومهيئا ومستعدا لحماية الوحدة ·
كان قرار الحل اذن تحصيلا حاصلا، كان البعث - بشهادة امينه العام سيحل نفسه، اذ كان يعاني من ثلاثة أمراض حددها عفلق في التناقض، والتشويه، والانحلال·
ولذلك، كان منطقيا ان يؤيد المؤتمر القومي الثالث للبعث، الذي عقد في ،1959 قرار حل الحزب في سوريا، الذي اصدرته القيادة القومية السابقة، ثم يبرر ذلك بان الانطلاقة الجديدة التي يحققها الحزب - بعد تنظيمه القومي الجديد- ستزيد من قوة وفعالية نضالة في بقية اجزاء الوطن العربي، وتدعم تعاونه مع قيادة الجمهورية العربية المتحدة ، التي اشاد المؤتمر نفسه بانجازاتها، كما مربنا·
وبعد اقل من عام ونصف العام من تاريخ عقد المؤتمر الثالث، جاء المؤتمر الرابع في اواخر اغسطس 1960 ليقلب الامور رأسا على عقب، ويدين قرار الحل، ويعتبره غير مبرر عقائديا!! وجاءت هذه التوصية (4) على رأس التوصيات التي اصدرها المؤتمر حول اسلوب العمل الحزبي· وتضمنت هذه التوصية مايناقض كلام الامين العام الذي سيعلنه امام المؤتمر الخامس، والذي سلف ذكره·

لا استراتيجية:

ومن اللافت للنظر، ان تقرير القيادة القومية الذي قدمته للمؤتمر واقره تحدث عن انتكاس خطوة الوحدة ، وذلك قبل اكثر من عام من وقوع الانفصال! وبجانب ذلك، تضمن تقرير القيادة تحليلا موسعا لقرار حل الحزب واسبابه ونتائجه، وقدم رؤية عميقة الى حد كبير لاخطاء الحزب (5) من حيث انعدام التوجيه القومي لفروع الحزب في جميع الاقطار العربية وحصره في سوريا، ومن حيث اسلوب التفكير وطريقة العمل، ومن حيث- ثالثا - شعور الحزب بالحيرة قبيل الوحدة وبفقدان المبادرة الحقيقية فمسؤولية الحزب الكبرى هي انه هو الذي حرك المد الجماهيري نحو الوحدة دون ان ترافقه الضمانات الكافية لجعله خطوة ايجابية وتقدمية بمعنى الكلمة· فحرك غرائز الجماهير نحو الوحدة دون ان يضمن قيادة لهذه الجماهير، ودون ان يكرس في اذهانها اهمية الديمقراطية والاشتراكية في صرح الوحدة · واعترف التقرير في هذا المجال بنقطتين محددتين:
الاولى: انعدام خطة استراتيجية للعمل الحزبي، فطرح شعار الاتحاد لم يكن جزءا من استراتيجية علمية مدروسة يعرف الحزب كل مراحلها التالية ومراحل تحقيقها
الثانية: اعتماد الحزب على القوى المسلحة في عمله السياسي: فقد اعتمد اكثر مما يلزم على الجيش على حساب اعتماده على نفسه وجماهيره المنظمة، وكون هذا الامر عنده تقديرا خاطئا لطاقاته وامكانياته·
مرة أخرى، نتذكر ان هذا كله ينتمي الى صيف ·1960 اي بعد خروج وزراء البعث من حكومة الجمهورية العربية المتحدة وبعد خلافات 1959 حول تحويل مجرى نهر الاردن وتعيينات الضباط وفي ذلك المام، رفض عبد الناصر اقتراحا قدمه اكرم الحوراني- قبل استقالته - بتكوين قيادة سياسية غير معلنة تدير الجمهورية العربية المتحدة وتوجه سياستها الخارجية من وراء ستار، بحيث تضم هذه القيادة المشتركة 3 من البعث و3 من مصر· لقد اوضح عبد الناصر ذلك في محادثات الوحدة الثلاثية، وقال بوضوح: نعم لوحدة مع سوريا، ولا لوحدة مع البعث·
وهذه الخلافات البعثية - الناصرية هي التي جعلت لهجة البعث في بياناته واحاديثه في مؤتمره القومي الرابع تختلف بشكل واضح عن لهجة حديثه في مؤتمره القومي الثالث، الذي عقد في مارس ،1959 تلك السنة التي وصفها محرر سلسلة نضال البعث بأنها سنة فاصلة في حياة الحزب، اذ كانت اوضاعه صعبة داخليا وخارجيا: فهو محلول في سوريا، ومنتكس في الاردن، وغير موفق في العراق، وكان يتعرض لانشقاق على يدى عبد الله الريماوي الذي عقد مؤتمرا قوميا موازيا للمؤتمر الثالث· فهل ادى ذلك الى ان يؤجل البعث فتح معركة مع عبد الناصر ولو لشهور فقط؟·1 لقد اعلن حرصه على التعاون الوثيق مع قيادة الجمهورية العربية المتحدة في تحقيق اهداف الشعب العربي ورسالته

هزة بعثية:

أيا كان موقف البعث، وتغيره وتحوله تجاه الوحدة المصرية- السورية من عام إلى عام، فمن المؤكد ان الوحدة هزت البعث وفكرة· (6) وطرحت عليه مشكلات وتحديات لم يكن له بها عهد من قبل، في حين كان عبد الناصر قد خبر ذلك، وحقق فيه خطوات عديدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا· وكانت هذه المشكلات تحتاج إلى عمق في البحث والى سرعة في القرار· ولم يكن باب الاجتهاد مفتوحا في داخل الحزب· كان على الجميع ان ينتظروا كلمة عفلق والهامه· وهذه هي الازمة نفسها التي واجهها الحزب منذ الاندماج مع حزب الحوراني، فهذا رجل عملي وتكتيكي، في حين كان عفلق يستغرق في التأمل، وكأنه ينتظر الوحي او الالهام· ولعل هذه الأزمة هي التي عبر عنها البيطار بقوله:(7) لا البعث عرف كيف يتعامل مع الرئيس عبد الناصر، ولا عبد الناصر عرف كيف يتعامل معنا · وتبدو الازمة على حقيقتها حين نعرف ان البيطار كان من اقرب البعثيين الى عبد الناصر(9)، فما بالنا بالآخرين؟· وحين يقول هذا القائد البعثي ان الوحدة تعثرت بعد شهرين من قيامها، فإن هذا يبين مدى العجله التي كان عليها البعث، بل مدى الرومانتيكية التي كان يتصور الوحدة بها، وكأنه لايزال يعيش مقولة عفلق المعروفة: الوحدة قدر أو الوحدة حب !! ويشرح البيطار التعثر الذي يتحدث عنه فيقول إنه حدثت صدمة قوية لدى البعثيين وبدأت ردة اقليمية في سوريا(10)· هكذا في خلال شهرين، أمر على وجه التحديد في يونيو أو يوليو 1958 !!
ومن المؤكد ان الوقت عندئذ كان مبكرا جدا للحديث عن التعثر والردة· ومن المؤكد آيضا ان العمل من اجل وحدة مصر وسوريا استنفد من البعث - خاصة في سوريا - آخر ما في جسده من قوة، ومن قدرة على الحركة والنشاط· وظن الحزب حسب اعتراف عفلق الذي مر بنا- ان من حقه ان يستريح، وظن الراحة في ان يحكم وان يبعثن سوريا، وهنا تجددت الخلافات على مستوى القيادة العليا السورية للحزب، اي عفلق والبيطار والحوراني وكان عفلق يظن ان الحوراني يحرض عبد الناصر ضده(11)· بينما يذكر امين هويدي(12) ان عفلق اقترح على عبد الناصر، في بداية ايام الوحدة، ابعاد الحوراني عن سوريا، ووصفه بأنه رجل اقليمي لو اطلقت يده في سوريا، فسينتهي به الامر الى الانفراد بالحكم بصفة نهائية· وقد أثار ذلك صعوبة امام عبد الناصر في التعامل مع قادة البعث، فما يرضى طرفا قد لايرضى الآخر·
دور السراج:
ومما لا شك فيه ان اجهزة الامن، وعلى رأسها عبد الحميد السراج رجل سوريا القوي ، والذي بدأ مسيرته قريبا من البعثيين في داخل الجيش، لعبت دورا في تعميق الخلاف بين عبد الناصر والبعث· لقد تجاوز السراج خطوطا كثيرة· وكانت تجاوزاته من اسباب الذين تحركوا لتنفيذ الانقلاب في 28 سبتمبر ،1961 وتحقيق الانفصال·
وفي الوقت نفسه، فإن البيروقراطية العسكرية المصرية بما احتلته من مواقع في سوريا تتحمل نصيبا غير قليل من المسؤولية عن اثارة حساسيات سورية تغذى عليها مشعلو نيران الانفصال· وتلك مسؤولية عبد الناصر، وعبد الناصر وحده· يكفي انه لم يجد بين رجاله من يدفع به الى دمشق ليقيم فيها ويديرها، سوى المشير، الذي خرج قادة الانفصال العسكريون من مكتبه· وتتشابك الاحداث وتتداخل الاخطاء، ذلك ان الانفصال الذي وقع في 1961 كان خطوة نحو الهزيمة التي حدثت في ·1967 وفي الهزيمتين المرتين، كان المشير في موقع قيادي·
كان البعث اعجز من ان يحمي الوحدة التي اسهم في بنائها، بل شارك في التمهيد للانفصال· وباركه الحوراني والبيطار، كما سيلي· وكان عبد الناصر، بدوره، اعجز من ان يحمي البعث من نفسه· كانت الوحدة عملا كبيرا، ضخما· تم بناؤه على عجل· وكانت صيانتها وحمايتها معركة كبيرة وضخمة، يبدو ان عبد الناصر لم يعطها الاهتمام الذي كانت تستحقه، وتستوجبه· ولذلك، كان حريصا اشد الحرص في محادثات الوحدة الثلاثية على ان يكفل للتجربة الجديدة ضمانات الاستمرار والبقاء· وحتى لا تتعرض لانتكاس من داخلها، او من خارجها

البعث والانفصال:

مشاركة البعث في التمهيد للانفصال اخذت اشكالا متعددة، ووصلت الى حد ان بعض الضباط البعثيين استعد للقيام بانقلاب واتصل بالقيادة يعلمها ان كل شيء جاهز، ولكنها نهته عن ذلك · (13)
بعد استقالة وزراء البعث من الحكم، واعلان استقالتهم في 31 ديسمبر ،1959 يقول البيطار(14) انه عاد الى دمشق وكنا نجتمع سرا في منازلنا ونبحث في الاوضاع الخطرة التي تمر بها سوريا· وتطارحنا موضوع كيف العمل؟· هنا حصل الخلاف الكبير: في داخل البعث، البعض يقول بالانفصال، وانا كنت اقول ان الحل هو بتصحيح الوحدة · ثم يضيف: كنت اشعر ان كلامي كان نظريا، لان تصحيح الوحدة يحتاج الى عودة من قبل الرئيس عبد الناصر الى بعض افكارنا، ولم يحدث ذلك ·
وعشية الانفصال، اتصل الضباط الشوام بالضباط البعثيين وبعض قياديي الحزب، وعرضوا عليهم التعاون في عمل انقلابي موحد وكان عفلق على علم بذلك كله (15) فقد حرص عبد الغني قنوت على احاطته بدقة بتحركات العسكريين السوريين ونواياهم·(16)
ويؤكد احمد حمروش(17) ان احدا من الضباط او جنود البعث لم يسهم في الحركة الانفصالية، ويبرر ذلك بانه لم يكن لهم تنظيم قائم!· لكن الدكتور سامي عصاصة (18) يذكر أن عددا من الضباط البعثيين شاركوا في تنفيذ الانفصال، ويذكر اسماء: النقيب بدر جمعة، النقيب اسكندرسلامه (وهذان الضابطان كانا يعرفان بأمر الحركة قبل تنفيذها)، الرائد شمود عطاسي ، الرائد اسماعيل هلال ترمانيتي، والنقيب احمد الصباغ، النقيب رجب حيزه، الملازم الاول مصطفى حاج علي، الملازم اول علي محمود صالح، الملازم اول مصطفى عيسى، الملازم اول مصطفى الاظن، والنقيب محمد رباح الطويل·
ولم يذكر عصاصة اي مصدر استند اليه او استقى منه هذه المعلومات، وهذه الاسماء· ولكن الذائع المشهور هو دور صلاح البيطار في كتابة وثيقة الانفصال بخط يده، والتوقيع عليها، كما وقع عليها اكرم الحوراني· صحيح ان البيطار تراجع بعد ايام، واصدر بيانا آخر، وقيل انه بكى، ولكن فرع الحزب في العراق طالب بإدانته وفصله او تجميده· وبرر عفلق موقف البيطار، وخفف من اضراره على الحزب، كما يقول الفكيكي·(19) وقد حاول البيطار تبرير توقيعه على وثيقة الانفصال، فجاء تبريره متهافتا، بدعوى انه كان يريد ان يعمل من داخل الوضع الجديد، لكسب الوقت ولتحويل الاتجاه نحو الوحدة من جديد· والمثير ان يقول ان ذلك تم بالفعل · وحتى حينما وصف الانفصال بانه مؤامرة خارجية كبيرة ضد الوحدة، اضاف انها اي المؤامرة وجدت لها ارضا خصبة!·(20)

اخيرا
الانفصال··· فماذا بعد؟

ولد الانفصال مهزوزا وعاش مهتزا· ولم يجد تربة سورية صلبة يقف عليها· ولكنه كما ولد انقلابات متعددة من داخله ومن خارجه، تولدت معه انشقاقات في حزب البعث· انسلخ جناح اكرم الحوراني، مرة أخرى ووصفه احد البعثيين بأنه كان مهووسا بالعداء لعبد الناصر،(21) وبعد ان اعاد الحزب تنظيم نفسه، كان قد خرج منه جناح بعثي ناصري ، حمل - ولايزال- اسم الوحدويين الاشتراكيين · وحاولت اكثر من قوة ان تمد حبل اتصال مع القاهرة ولم تكن القاهرة تصد الجميع· كانت تستقبل، وتستمع، وتدعم رفاق درب نضال يجمعهم الهدف الواحد· ولم يكونوا عملاء· وحين اثير ذلك في محادثات الوحدة الثلاثية، ثبت ان البعث في العراق تلقى دعما من القاهرة· (22) وكان عفلق يعلم ذلك، واخفاه عن البعث في سوريا·
اضطرب البعث بعد الانفصال في موقفه من عبد الناصر، شبيه بالاضطراب العام الذي ساد سوريا فيما بين سبتمبر 1961 ومارس ·1963 فقد فقدت الاستقرار الذي عرفته في فترة الوحدة، وعاد الجيش كتلا واحزابا متناحرة متقاتلة· وقد سالت دماء· وسقط قتلى وجرحى· وتعددت الحكومات، والانقلابات ضد الحاكمين، كما تعددت الائتلافات، التي لم تكن تلبث ان تنفض· وتشق البعث من داخله· وكشف الحوراني عن حقيقته غير الوحدوية· وفصل من الحزب· واعاد تكوين جناحه السابق، الذي مالبث ان تشرذم· ثم اختفى· وجرت انتخابات، وجاءت بمجلس نيابي انقض على المكاسب التي تحققت للعمال والفلاحين في زمن الوحدة· ودخل المجلس بعثيون، ووزراء من عهد الوحدة!· وعاشت سوريا فترة اضطراب لم تعهدها من قبل· وحين ازداد الغليان في الشارع، جاء بعض الانفصاليين يدقون ابواب القاهرة فاستمعت لهم، ولم تمنحهم ثقتها·
اما عبد الناصر الجريح، الذي اصابته التجربة بجراح لم يصب بمثلها من قبل، فراح وبسرعة يلملم جراحه· وعقد المؤتمر الوطني للقوى الشعبية، وصدر الميثاق، وصدرت قرارات عزل بعض السياسيين، وحل الاتحاد الاشتراكي محل الاتحاد القومي· وراحت مصر- تحت قيادته - تستكمل تجربتها، بكل ماصادفته من عثرات، ومالقيته من مشاق·
و بعيد الانفصال بعث عفلق الى عبد الناصر برسالة يدعوه فيها الى التعاون لاعادة الوحدة فورا، كما كلف حامل الرسالة بالاتصال بالضباط السوريين في مصر، واستعجالهم العودة إلى دمشق (23) وعلى عكس ما ذكر الحوراني من قبل، اثبتت التطورات في تلك الفترة ان عفلق كان اكثر زعماء البعث ميلا للوحدة، وتأييدا لها· وتبدى هذا بشكل خاص في المؤتمر القومي الخامس للحزب، الذي اعتمد فيه عفلق على فرع الحزب في العراق، الذي كان موقفه من عبد الناصر والوحدة والانفصال مختلفا عن البعث في سوريا على الاقل في تلك الفترة ، اي مابين الانفصال، والاستيلاء على الحكم في بغداد، في 8 فبراير ·1963
ولكن المسألة لم تعد قوة هذا القطر أو ذاك من اقطار البعث، ولا قوة هذا الزعيم أوذاك، بل اصبحت مسألة حزب يتآكل من داخله، وتتخذ سياسته مسارا آخر· وكان بعثيو الجيش في سوريا متنافرين او قل نافرين من العسكريين الناصريين، وكان هؤلاء بدورهم لا يثقون فيهم، ولا يحملون لهم مودة· واغتنم قائد حركة الانفصال الفرصة وتردى الاوضاع فحاول ان يغازل ضباط البعث···
ووسط هذه الدوامة، بل الدوامات، عقد البعث مؤتمره القومي الخامس في مايو ·1962 وتركزت مناقشاته على موضوع الوحدة، وقالت النشرة الداخلية (24) التي صدرت عن هذا المؤتمر ان خطورة موضوع الوحدة بالنسبة الى المؤتمر تأتي من علاقته الاساسية بوجود الحزب كعقيدة وتنظيم· فتجربة الوحدة التي دامت اكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، ثم تجربة الانفصال التي اعقبتها واكملتها، كانت لهما اثار عميقة وعنيفة علي نظرة الحزب العقائدية الى الوحدة، كما كان لهما اثر بالغ على واقع التنظيم ونظريته· لقد هزت التجربة عقيدة الوحدة هذه الى الاعماق وكشفت عن جوانب الضعف والقوة فيها···
واشارت النشرة التي تضمنت قرارات المؤتمر وتلخيصا لمداولاته الى ان قسما من اعضاء المؤتمر لم يؤيد في الوقت الحاضر- بالنسبة لانعقاد المؤتمر طرح شعار الوحدة بين سوريا ومصر، واعتبرت ذلك موقفا سلبيا، كما اشارت الى ان المؤتمر حلل الاخطاء والانحرافات التي برزت داخل ج· ع· م وابرزها الحكم الفردي والاسلوب البوليسي في محاربة المعارضين، وانعدام التنظيمات الشعبية وتفتيت الاحزاب والهيئات والحركات الشعبية بحجة انتهاء عهد الاحزاب، وبدء عهد الاتحاد القومي ·
وقالت النشرة ان البعث اصابه القسط الاوفر من التآمر والمحاربة اللااخلاقية ، وعرجت على انتقاد الحزب بقولها : كان لغياب الحزب والصمت الذي لا زمه لفترة طويلة وانعدام المراقبة الشعبية الاثر الكبير في التمادي في الاخطاء والانحرافات، لا بلى ان عدم وجود الحزب والتنظيم الشعبي ترك فراغا خطيرا، مكن للمتآمرين والحاقدين على الوحدة من تهيئة خطتهم الاجرامية ومن النجاح في تنفيذها ·
والقت العلاقة مع عبد الناصر، مع مصر الناصرية، بظلها على قرارات المؤتمر، فقد برز فيه اتجاه- ايا يكن حجمه- يرفض اي حوار او تعاون مع عبد الناصر، في سبيل اية وحدة· وكان في مقابله اتجاه مضاد يطالب بالعودة الفورية للوحدة مع مصر، (25) ولكن الاتجاه الثالث هو الذي غلب على المؤتمر، وهو اتجاه ميشيل عفلق والقيادة القومية معه: فهو ينتقد تجربة الجمهورية العربية المتحدة، والنظام الذي عاشته سوريا في اطارها، لكنه - في الوقت نفسه- يدعو الى تجديد الوحدة بين مصر وسوريا على اسس صحيحة · وقد عرف هذا الاتجاه باسم التيار القومي · وفي كلمته امام المؤتمر، والتي سلفت الاشارة اليها من قبل، رفع ميشيل عفلق شعارين رئيسيين:
- فشل الوحدة شئ ومؤامرة الانفصال شئ آخر·
- ارجاع وحدة مصر وسوريا قضية مصير الامة العربية· ولذلك، فإن اول قرار من قرارات المؤتمر القومي الخامس هو:
لابد من محو عار الانفصال، فتجديد وحدة مصر وسوريا هو الهدف المباشر لنضال الشعب العربي في جميع اقطاره · وحين اشار البيان الذي تضمن هذا القرار ردود فعل غير مرحبة، عادت قيادة الحزب إلى اصدار بيان آخر حاول ان يخفف لهجة الدعوة الى تجديد الوحدة المصرية - السورية· وكان البيان يقدم رجلا ويؤخر آخرى، دون ان يفقد - على الرغم من ذلك - طابعه الوحدوي، واخذه جانب الوحدة المصرية- السورية· ولعل الفقرة التالية توضح ذلك، وهي:
ليس ثمة مؤمن بالقومية العربية عاش تجربة الوحدة واعمالها وآلامها الا ويذكر تلك الاخطاء الفادحة التي ارتكبت في ذلك العهد، ولكن الفرق كبير بين منطق الوحدة الذي يفرض علينا ان نتعمق في دراسة تجربة الوحدة التي انتكست وان نقسو لنستخرج منها نظرية جديدة ونهجا جديدا في النضال من اجل تجديد الوحدة على اسس وموضوعية، وبين منطق الانفصال الذي لا يرى في صورة الوحدة الا اخطاءها، فيردد ذكرها ويجترها ليلا ونهارا ليغرف الوحدة في بحر من الخطايا والعار وليقضي على فكرتها ·
ومن الطريف - ان كان في الامر مايدخل في باب الطرافة - ان البيان الذي تضمن هذه الكلمات، وهو مؤرخ في 18 مايو ،1962 قد اختتم بالشعارات التالية:
- عاش نضال حزينا من اجل الحرية والاشتراكية والوحدة·
- ولترتفع راية الوحدة عاليا بأيدى طلائع شعبنا الجبار·
- ولتندحر الى الابد قوى الرجعية وحماة الانفصال وكل اعداء الشعب·
واللافت للنظر هو ترتيب اهداف البعث على انها: الحرية والاشتراكية والوحدة، وليست: الوحدة، الحرية، الاشتراكية!·
على اية حال، هذا الموقف غير الثابت وغير المستقر ادى الى زيادة حزب البعث انقساما· وبعد المؤتمر الخامس مضى المنقسمون كل في طريقه، وبرزت اربعة اجنحة خرجت رسميا من عباءة البعث، هي: الوحدويون الاشتراكيون اعداء الانفصال وحلفاء عبد الناصر، القطريون الذين اعطوا الاولوية للاشتراكية او لبناء الاشتراكية في كل قطر عربي على حدة، القوميون اي جناح عفلق والبيطار الذين مع عبد الناصر وضده، واخيرا الحورانيون اي انصار اكرم الحوراني الذين ظهروا عداء لا مثيل له لعبد الناصر وقيادته للامة العربية، وقد شارك الانفصاليون في شن اقذع حملة ضد عبد الناصر، واتهموه بالتواطؤ مع امريكا لتصفية قضية فلسطين، وكان هذا الاتهام في ذلك الوقت هو الاثم القومي الاكبر· وحين تقدم نظام الانفصال بشكوى ضد الجمهورية العربية المتحدة، بعد احدى خطب عبد الناصر التي تحدث فيها عن تعاطفه مع الشعب السوري، وعقد ماسمى مؤتمر شتورا الذي تحول الى مهرجان شتائم وكان رجال اكرم الحوراني هم الذين يوجهون الجانب السوري في المؤتمر بشهادة واحد منهم·(26)
وخلال ذلك، كان الحزب في العراق يدعم القيادة القومية - جناح عفلق، لأنه كان يريد ان يكسب الناصريين في سوريا، اذ كان يعد عندئذ لانقلابه الذي وقع في 8 فبراير ،1963 وشارك فيه ناصريون وقوميون· وقبل اربعة اسابيع من تنفيذ الانقلاب، اجروا اتصالا بالقاهرة، وقال عبد الناصر ان المهم هو المبادئ لا الاشخاص و اننا نؤيد اي ثورة عربية ، كما اعلن انه تمت مساندتها مساندة واضحة، منذ الدقائق الاولى· (27)
وبعد شهر، وقع انقلاب 8 اذار في سوريا، وكان التيار الوحدوي جارفا مطالبا بوحدة فورية مع القاهرة· ولم يكن البعث راغبا في ذلك· (28) وبعد اتصالات ولقاءات، ووسط خلافات وحساسيات، جرت محادثات الوحدة الثلاثية المصرية السورية العراقية، على 3 مراحل واسفرت عن مثياق 17 ابريل لاقامة دولة اتحادية· وقد ولد المثياق ميتا· فقد كانت الثقة مفقودة بين عبد الناصر والبعث الذي كان جناحاه في سوريا والعراق يرغبان في انشاء وحدة بعثية· وهو الامر الذي لم يتحقق في ذلك العام، والى اليوم
ومحاضر محادثات الوحدة الثلاثية تحتاج الى قراءة خاصة والى تحليل خاص· كما ان البعث ككل دخل - ومنذ 1963 - مرحلة اخرى من تاريخه، فانحسر قوميا، وتحصن في معقلية: دمشق وبغداد· فقد اصبح البعث بعثين واكثر·· (29)
وتكفى هنا شهادة بعثي بارز، هو سامي الجندي، الذي يقول انه في تلك الفترة - سنة 1960 تقريبا - كان الرئيس - على ماسمعت- يقرأ لينين· ولا انكر انني استغربت سنة 1963 سنة (محادثات الوحدة الثلاثية التي شارك الجندي في احدى مراحلها) مدى اطلاعه عليه· ومن يدرس لينين يتردد في اقامة علاقة متينة مع البعثيين على رجرجة تنظيمهم ·
وفي الختام، فإن العرض السابق يطرح تسؤلات تبحث عن اجابات، منها: هل صحيح مايقوله البعثيون من انهم أثروا في عبد الناصر؟ وان الناصرية - عند نشوئها - استقت وتغذت، كما يقول البيطار، من الفكر القومي العربي الثوري، ولا سيما من فكر البعث ، ومن شعار الوحدة والحرية والاشتراكية؟ (30) وهل صحيح ان المثياق الوطني تبنى النظرية القومية لحزب البعث؟ (31) وهل صحيح ان التأثير السلبي للمواجهة بين الطرفين كان اكبر كثيرا على البعث بالمقارنة مع الناصرية؟· (32) وهل صحيح ان صراع البعث مع عبد الناصر في 1961 - 1963 قاد الحزب الى انفصالية موضوعية و وحدوية ذاتية ؟· (33) واخيرا، هل صحيح ان عبد الناصر، في صراعه مع البعث اسقط من حساباته البعث كله على اختلاف اجنحته، ولم يحاول النفاذ الى الحزب او اقامة تحالفات ميدانية تعزز الاتجاهات الوحدوية والوطنية فيه وفي السلطة؟ (34)
ان التساؤلات مفتوحة، ولكن الاجوبة مغلقة· وما اكثر التساؤلات حول تجربة عبد الناصر مع البعث، تلك التجربة التي تستحق ان تدرس دراسة خاصة متأنية ومتعمقة، وبعيدة عن حساسيات الماضي وحزازاته والامه، وبحيث تفتح الباب لمهمة عاجلة واساسية اليوم وهي تجديد الحديث عن القومة العربية وعن الوحدة العربية· تلك الوحدة التي كانت جوهر الصراع البعثي - الناصري· ولنا ان نتساءل: هل كان يمكن ان تحدث هزيمة 1967 لولم يقع الانفصال وتسقط الجمهورية العربية المتحدة؟ ان الدبابات التي زحفت جنازيرها على سيناء والجولان والضفة وغزة والقدس في يونيو الاسود، قد بدأت زحفها في سبتمبر الاسود ايضا، سبتمبر 1961؟
في 7 ابريل ،1979 قال عفلق:
لقد كانت عبقرية عبد الناصر تكمن في ادراكه لحقيقة مصر العربية وفي العمل على الكشف عنها واعتمادها في سياسته، ولم تكن مؤامرة الاعداء في حزيران عام 1967 والهزيمة العسكرية التي الحقوها به الا لثنيه عن خطه الوحدوي الذي امن به ·· وما آكثر النواح على عبد الناصر·· بعد رحيله!!·

هوامش ومراجع:

1- نص البيان في ناجي علوش : الثورة والجماهير، مصدر سبق ذكره ص ·95
2- يشير علوش، المصدر السابق ص 76 - 77- الى ان المؤتمر القومي الثاني للبعث الذي عقد في 1954 اتخذ من تفكك التنظيم الحزبي في سوريا وتجاوز النظام الداخلي والانتهازية المتسربة الى صفوف بعض الحزبيين، سببا لبحث الازمة العميقة التي كان يعيشها الحزب· واضاف: يبدو ان المؤتمر لم يكن قادرا على وضع حد للازمة· لانها بدأت تطل برأسها منذ اليوم الذي انتهى فيه · وذلك على الرغم من ان المؤتمر شكل لجنة من عفلق والبيطار والحوراني والريماوي لمعالجة هذه الازمة·
3- نضال حزب البعث العربي الاشتراكي عبر مؤتمراته القومية 1947 - ،1964 دار الطليعة، بيروت، ·1971 ص 145 - 146
4- نص التوصية في نضال البعث، الجزء الرابع، مصدر سبق ذكره، ص 188 - 179
5- المصدر الاخير نفسه، 201 - 203
6- هاني الفكيكي اوكار الهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص 306-·307
7- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق، ص 410
8- محمو رياض: الامن القومي العربي، مصدر سبق، ص ·227 ويضيف البيطار بأنه كان محل ثقة عبد الناصر لصراحته واخلاصه لمبادئه وصفاء نفسه !·
9- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص ·410
10- المصدر الاخير نفسه، ص ·423
11- هاني الفكيكي: اوكارالهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص 155-·156
12- امين هويدي: كنت سفيرا في العراق، مصدر سبق ذكره، ص·69
13- سامي الجندي: البعث، مصدر سبق ذكره، ص ،80 ·81
14- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص·433
15- هاني الفكيكي: اوكار الهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص ·178
16- المصدر الاخير نفسه، ص ·194
17- احمد حمروش: عبد الناصر والعرب، مصدر سبق ذكره، ص·89
18- الدكتور سامي عصاصة: اسرار الانفصال·· مصر وسوريا· دار الشعب، القاهرة، ·1989 ص ·330
19- هاني الفكيكي: اوكار الهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص ·187
20- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص·434
21- هاني الفكيكي: اوكار الهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص ·196
22- يروى هاني الفكيكي (المصدر الاخير نفسه، ص 160-16) انه تلقى تكليفا بان يتوجه الى القاهرة، لتسلم مساعدة مالية للحزب في العراق· وجاء الى القاهرة، ومعه حازم جواد، وقابل الرئيس عبد الناصر مرتين، في احداهما تسلم مبلغ 30 الف دينار من عبد المجيد فريد الذي اعدله ايصالا بتسليم المبلغ ينص على ان الفكيكي ممثل حزب البعث في العراق ومندوب قيادته القطرية، تسلم ما تسلمه كمساعدة من القيادة العربية المتحدة للحزب في العراق· رفض الفكيكي توقيع هذا الايصال، وقال انه لا يريد التوقيع على وثيقة يمكن ان يدان بها الحزب مستقيلا، في حال خلافه مع القاهرة· ودخل فريد على عبد الناصر، الذي استدعى الفكيكي وسألة عن عمره، فقال له انه ابن 23 سنة، وقال عبد الناصر لعبد المجيد فريد: ليس من سياستنا ان نتعامل مع الثوار بايصالات· ويعلق الفكيكي على هذه الكلمات بقوله: مع الزمن، بث أعرف ان العبارات التي تهز المرء في شبابه يمكن ان تكون مرتبة بمهارة عالية ·
23- المصدر الاخير نفسه، ص ·186
24- نضال حزب البعث العربي الاشتراكي عبر مؤتمراته القومية 1947 - ،1964 مصدر سبق ذكره، ص 122 - ·144
25- مصطفى دندشلي: حزب البعث العربي الاشتراكي، مصدر سبق ذكره، ص 309- ·310
26- في حديثه الذي نشرته آفاق عربية ، مصدر سبق ذكره، قال مصطفى حمدون ان عبد الغني قنوت وخليل الكلاسي - وهما من جماعة الحوراني - استخدما الفاظا غاية في العنف، ووصفا المؤتمر بأنه مؤتمر عار وان الهجوم انصب على عبد الناصر واضاف ان الحوراني بعث عبد الفتاح زلط ليكون وراء الكواليس واعترف بانه - اي حمدون - ذهب الى شتورا مع قنوت والكلاسي وزلط ولكن لم تكن لي علاقة بما حدث !!
27- محمد حسنين هيكل: سنوات الغليان، مصدر سبق ذكره، ص·678
28- امين هويدي: كنت سفيرا في العراق، مصدر سبق ذكره، ص·49
29- سامي الجندي: البعث، مصدر سبق ذكره، ص ·84
30- صلاح الدين البيطار: ماذا بعد عبد الناصر؟، مصدر سبق ذكره، ص ·189
31- فريد الظاهري تعقيب على: د· طارق الهاشمي: الفكر القومي العربي لجمال عبد الناصر، في : تطور الفكر القومي العربي، ندوة فكرية· مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ·1986ص ·328
32- عبد العزيز حسين الصاوي: العلاقة الناصرية - البعثية، مصدر سبق ذكره، ص ·131
33- هاني الفكيكي: اوكار الهزيمة، مصدر سبق ذكره، ص ·323
34- المصدر الاخير نفسه، ص ·318


الإتحاد الإماراتية http://www.alittihad.co.ae/search.details.asp?M=1&ArticleID=4950

عبدالناصر والبعث 2 



عبد الناصر والبـعث 2 :


الطريق الى الوحدة في فبراير 1958
بيان تاريخي لوفد برلماني مصري في دمشق برئاسة السادات
الحوراني:
البيطار طالب الوفد العسكري السوري بالاصرار على الوحدة الاندماجية
محمد عودة:
البعث حزب بلا قائد··· وعبد الناصر قائد بلاحزب

عبدالناصر والبعث، فصل مهم في التاريخ العربي المعاصر، ولكنه فصل لم يكتب كاملاً بعد، وهل ادل على ذلك من ان المكتبة العربية لم تعرف حتى عام ،1995 وغالباً حتى اليوم، سوى دراسة وحيدة، اتخذت هذا الموضوع وبشكل مباشر محوراً لها، أعني بذلك دراسة عبدالعزيز حسين الصاوي عن العلاقة الناصرية - البعثية - دراسة استطلاعية في أزمة تطور الثورة العربية ، والصادرة عن دار الطليعة في بيروت·
حقاً، هناك العشرات بل المئات عن الكتب والبحوث والدراسات، سواء عن عبدالناصر، او البعث، قد تناولت هذا الموضوع، اي العلاقة بينهما، ولكن بشكل هامشي او ثانوي، وهناك عدد كبير من الندوات حول عبدالناصر، وحول البعث، ولكن المرء لا يذكر ندوة واحدة اخضعت العلاقة بينهما للبحث والدراسة، فلماذا هذا القصور او التقصير؟ وهل هو عمدي؟· لقد كانت العلاقة الناصرية - البعثية، بسلبياتها وايجابياتها، بأخطائها وانجازاتها، تجربة خصبة، فلماذا هذا التجاهل؟· إن السؤال يصبح اكثر الحاحا في ظل استمرار نظامين يحكمان باسم البعث في سوريا والعراق، وفي ظل وجود حزب علني في مصر يصرح بانتمائه الى الناصرية، فماذا فعل النظامان والحزب من أجل دراسة هذا الموضوع دراسة علمية موضوعية؟· حتى الآن لاشيء تقريباً، سوى ان نظام البعث في بغداد اكتفى باصدار الاعمال السياسية الكاملة لفيلسوف حزبه اي ميشيل عفلق، كما رعى اصدار سلسلة نضال البعث التي تضمنت أهم وثائق وبيانات وتصريحات الحزب منذ نشأته·
ان دراسة العلاقة الناصرية - البعثية ليست مطلوبة فقط لسد نقص كبير، بل وخطير، في التاريخ العربي والسياسة العربية الحديثة، إنها - فوق ذلك - مطلوبة لأن أخطر انعطافات التاريخ السياسي العربي المعاصر بقى في ظلام الاهمال او الاضاءة الجزئية المبتسرة التي تزيده ابهاماً حسب تعبير عبدالعزيز الصاوي الذي يقرر انه من المستحيل الفهم الشامل والمجدي مستقبلياً للتقلص المطرد في حيوية التيار القومي، بالرغم من نجاحاته في جبهة أو أخرى بعد الانشقاق بين جناحي قيادته، دون تقصي أبعاد تلك الأزمة كمظاهر ونتائج وأسباب·
فمنذ فترة كلفني مركز ابحاث بإعداد ورقة حول هذا الموضوع، اي العلاقة الناصرية - البعثية، وقد شغلني هذا التكليف طويلا، سواء بحثا عن مصادر ضرورية، لم تكن متوفرة مثل مذكرات اكرم الحوراني أحد اضلاع قيادة البعث الثلاثية التي نُشرت حلقات منها في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، ولم تكن قد نشرت كاملة بعد، وكذلك الكتابات السياسية الكاملة للأستاذ ميشيل عفلق، وهي مطبوعة في بغداد فيما بين 86 و88 ولكن الأهم، في تقديري، من غياب هذا المصدر أو ذاك، هو محور التحليل، خاصة وان مثل هذه الدراسة، وهي اصلا ورقة بحث كما سبق القول، لا يفترض فيها الشمول، ولا تنتظر منها تغطية كافة جوانب العلاقة الناصرية - البعثية·
احاول في هذه الدراسة ان اركز على البحث عن جواب لسؤال: أيهما أثر في الآخر أكثر: عبدالناصر أو البعث؟· على ان أطرح مبرراتي وأسبابي لذلك·
وفي مرحلة ثانية احاول ان اتطرق لهذه العلاقة من خلال قضية فلسطين، وأين اتفقا؟ وأين اختلفا؟ ولماذا؟·وبعد إعادة قراءة كتابات عديدة، سبق للمرء أن قرأها، في حين لم يسعف الوقت بقراءة كل ما كنت أود قراءته أو مراجعته، رأيت ان انطلق من افتراض ان البعث كحزب سياسي قد افتقد مقومات الحزب، التي نعرف انها ثلاثة: العقيدة (الايديولوجية)، والقيادة، والتنظيم، مما قاده إلى العجلة في وحدة 1958 والى ارتكاب خطأ يرقى الى حد الخطيئة بتأييده الانفصال في ،1961 إن هذه نظرة أعمق في التحليل والمقارنة، ولكنها قد تفرض حجماً من الكتابة أكبر، لذلك، اخذت نفسي بالايجاز، الذي سيبدو احياناً مخلاً، وحاولت ان أسد الثغرة في ذلك بالاحالات الى المصادر·
وسيكون مصدر سعادة لي ان يثير هذا المدخل نقاشاً واسعاً، اثق انه سيكون عوناً لي في إعادة كتابة هذه الورقة في شكل بحثي، اطمع ان يسد ثغرة في هذا المجال، وان يكون لبنة اخرى بعد دراسة الصاوي الرائدة والعميقة، وإن شابها غموض في التعبير أحياناً·
في ،1957 تعددت المؤامرات ضد سوريا، وتكاثرت التهديدات المعادية، بادعاء ان سوريا سقطت في يد الشيوعية الدولية· واعلنت القوات التركية، التي وضعت على الحدود مع سوريا، حالة التأهب· وفي مواجهة ذلك قرر الرئيس جمال عبد الناصر ارسال قوات من الجيش المصري الى سوريا· الهب القرار الذي وضع موضع التنفيذ، حماس الشعب السوري للوحدة مع مصر، بل زاده التهابا· وهذا الحماس الشعبي هو الذي يحاول صلاح الدين البيطار ان يبرر به الاندفاع الى الوحدة التي يعتبرها مرضا سوريا وينفي ان تكون الوحدة محاولة للهرب من المشاكل الداخلية· وفي نوفمبر ،1957 ذهب وفد برلماني مصري، برئاسة انور السادات، الى سوريا· وفي 17 من الشهر نفسه اصدرت لجنة الشؤون العربية في مجلس الامة المصري، ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب السوري بيانا تاريخيا يبارك خطوات البلدين لتحقيق اتحاد فيدرالي· وكان عبد الناصر، بشهادة البعثيين أنفسهم، وعلى رأسهم الحوراني في مذكراته والبيطار متحفظا ويدعو الى انجاز خطوات التوحد على مدى خمس سنوات· ويقول البيطار انه حين سمع نبأ تحفظ عبد الناصر بدأ يتحسس الخطر(1) وسأل عبد المحسن ابو النور الملحق العسكري المصري في دمشق وقتئذ، عن اسباب تحفظ عبد الناصر· وطلب منه ان يصدقه القول· فأجابه: ان الرئيس، بصراحة يخشى ان تقوم الوحدة ويقوم الجيش السوري بانقلاب ·(2)
ويكمل البيطار روايته بوقائع لم ترد في اي مصدر آخر، فيقول: طلب من ضابطين عسكريين لهما مركزهما ونفوذهما في الجيش ان يلتقيا معا لبحث موضوع خطير، هما أمين النقوري واحمد عبد الكريم· وطرحت عليهما الموضوع وقلت لهما الشيء التالي: الوحدة هي الآن امانة في رقابكم انتم الضباط وذكرت لهما كلام الرئيس بالحرف الواحد·ثم اضفت: انتم اليوم المسؤولون عن الوحدة ونحن سننسحب من الحكم اذا لم تقبل مصر الوحدة· واقسم احمد عبد الكريم بانهم مع الوحدة· ولا يرضون عنها بديلا· ومضت بضعة ايام، وكان الاستاذ عفلق والاستاذ الحوراني وانا في منزل الاخ محمود رياض نبحث في الموضوع، واذا بعبد المحسن ابو النور من الاركان على الهاتف يقول له بانه بعد ساعة اي الساعة الثانية عشرة ليلا ستقل طائرة 14 ضابطا لمقابلة الرئيس عبد الناصر ·(3)

اتصالات البعث بالعسكريين:

ولكن محمود رياض يذكر ان البيطار والحوراني، وليس البيطار فقط، اتصلا بالضباط البعثيين في المجلس العسكري وبالضباط المتعاطفين معهم وعلى رأسهم عبد الحميد السراج للقيام بالاتصال بعبد الناصر مباشرة·(4)
ويروي احمد عبد الكريم في مذكراته (5) قصة تتفق اجمالا مع رواية البيطار ولكنها تختلف معها في تفصيلات مهمة، وتستحق ان نرويها اقتباسا، اذ يقول:
عاد الى دمشق الاستاذ صلاح الدين البيطار، وزير الخارجية، من نيويورك عن طريق القاهرة، بعد تقديم شكوى سورية، للامم المتحدة حول التهديد التركي والحشود على الحدود التركية - السورية· وفي عصر ذلك اليوم اتصل بي هاتفيا الى رئاسة الاركان وطلب مني مقابلته في مكتبه بوزارة الخارجية الواقع الى جانب قصر الضيافة - شارع ابو رمانة، وقال لي انه التقى بالرئيس جمال عبد الناصر اثناء مروره من القاهرة وبحث معه الاجواء في الامم المتحدة، وقضية الوحدة السورية - المصرية، فأبلغه الرئيس عبد الناصر ان جميع الاحزاب والمنظمات في سوريا اكدت له رغبتها بالوحدة، مباشرة او عن طريق السفير محمود رياض في دمشق، ولكنه لم يتلق شيئا رسميا عن موقف القوات المسلحة السورية، وان لديه معلومات تقول بأن هناك فئة من ضباط الجيش السوري تعارض الوحدة، لذلك لا يمكنه ان يقبل باجماع البرلمان والمنظمات على قيام الوحدة الا اذا ضمن موقف الجيش السوري الصريح من هذه الوحدة·
وختم السيد البيطار حديثه لي بقوله: لقد اصبح موضوع الوحدة متوقفا عليكم في قيادة الجيش، وعليكم ان تبدوا رأيكم بهذا الموضوع التاريخي الذي اجمع عليه الشعب في سوريا ·
وأبلغ احمد عبد الكريم زملاءه عفيف البزري، وامين النقوري وعبد الحميد السراج ومصطفى حمدون نبأ حديث البيطار، فتقرر دعوة مجلس القيادة او المجلس العسكري للاجتماع في مكتب رئيس الاركان، في الساعة الثامنة مساء اليوم نفسه· عقد الاجتماع في الموعد المحدد، بحضور كامل اعضائه (اعضاء مجلس القيادة) باستثناء المقدم ابراهيم فرهود الذي كان بمهمة في الاتحاد السوفييتي لاستلام بعض الاسلحة، وابلغت اليه الرسالة التي نقلها السيد صلاح البيطار من الرئيس جمال عبد الناصر ·

مكالمة هاتفية من ابو النور:

ويؤيد محمود رياض (6) مارواه البيطار، من ان الثلاثي القيادي البعثي كان في داره، حينما تلقى مكالمة هاتفية من ابي النور عما انتواه المجلس العسكري من سفر عدد من اعضائه الى القاهرة· ولكن الحوراني في مذكراته لا يتحدث عن اجتماع ثلاثي البعث القيادي في منزل محمود رياض بل يقول (الحلقة 22 من المذكرات) ان البيطار كان موجودا في منزله، اي منزل الحوراني، حين زاره مصطفى حمدون في ليل الثاني عشر من يناير ،1958 وابلغه نبأ اعتزام مجلس القيادة، برئاسة عفيف البزرة، السفر الى القاهرة ليضغطوا على الرئيس عبد الناصر لاقرار الاتحاد مع سوريا ·
ابدى البيطار، حسب رواية الحوراني، ارتياحه وسروره بهذا النبأ وأصر على مصطفى حمدون ان يطالبوا بوحدة اندماجية مع مصر · ويقول الحوراني انه كتم غيظه وتشاؤمه· ولم يشأ ان يدخل مع البيطار في نقاش لأن المشروع الذي وضعته لجنة البعث الحزبية كان قائما على اسس فيدرالية مع مصر، ولأن مجلس قيادة الحزب وقيادته القومية والقطرية ستبت في هذا المشروع بعد يوم او يومين على الاكثر · وكان الحوراني قد ذكر في الحلقة السابقة من مذكراته ان عبد الله الريماوي الذي كان يقيم في دمشق وقتئذ (منذ انقلاب الملك حسين ضد حكومة سليمان النابلسي) كان من انصار الاتحاد الفيدرالي، وانه وضع مشروعا كان موضع دراسة قيادات البعث، وخاصة الحقوقيين منهم·
وبمقارنة هذه الروايات، يتبين مدى الخلاف بين قيادات البعث حول الاتحاد او الوحدة مع مصر· البعض يريدها فيدرالية · والبعض يريدها اندماجية· ويبدو ان هناك من كان يريدها شكلية·
وهنا نقطة تستحق وقفة خاصة، حول دور البعث ونفوذه في السياسة السورية في ذلك الوقت· مما لا شك فيه انه كان مؤثرا، بل كبير التأثير· ولكن هذا لا يعني انه كان صاحب النفوذ الوحيد سياسيا، ولا أكثر القوى تأثيرا في الشارع السياسي، الذي كان معبأ الى اقصى درجات التعبئة حماسا للوحدة، وسعيا الى تحقيقها·
يقول البيطار انه فيما بين 1954 و1958 مورست مبادئ الحزب ومنطلقاته على احسن شكل اذ كان شعبيا ومدعوما من قبل الشعب · (7)
وفي الجملة التالية يستدرك فيضيف: ربما كان هناك بعض المبالغة في ذلك ويعيد ذلك الى ان الحزب كان نخبوبا يستند على الطليعة المثقفة ولو انه كان يدعو دائما اعضاءه للاتصال بالجماهير والعمل بينها ·
ويعترف البيطار بأن البعث عندئذ لم يكن مسلحا بنظرية واستراتيجية عمل، ويعتبر هذه نقطة ضعفه (8)· ومع ذلك يقول ان البعث فرض نفسه في تلك الفترة على الاحزاب الاخرى· ولا ينفي خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري نفوذ البعث في سوريا وقتئذ، ولكنه يعتبره كان بعيدا عن النفوذ الحقيقي القادر على توجيه السلطة · ويبدو ان بكداش يبدي رأيه هذا بناء على بينة يعلمها· وفي هذا الصدد يذكر باتريك سيل (10) انه، من خلف الحكومة، كانت سوريا تحكم من قبل جبهة تقدمية منذ 1956 ومن قادتها الرئيسيين خالد العظم وزميله الشيوعي خالد بكداش، وزعماء البعث الآخرون اكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار الذي شغل مركز الرئيس المستقل وصبري العسلي الذي اخذ مركزه من استغلاله الماهر لخلافات الآخرين ، وكان هؤلاء الاشخاص الخمسة يجتمعون في منزل خالد العظم مرارا للمناقشة والتنسيق السياسي، وقد تقاسموا هم بدورهم، السلطة مع حلفائهم العسكريين: عبد الحميد السراج مدير المخابرات العسكرية الذي القى بثقله في جانب مصر وحزب البعث، والبزرة الذي كانت علاقاته مع بكداش، والنقوري مع العظم، بينما كان للحوراني عدد من الاتباع في الجيش ربما كان على رأسهم كل من مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت ·

الحزب···والقائد:

على أية حال، البعث يومئذ حزب وحدوي، وان شئت فلك ان تقول انه حزب الوحدة· حقيقة لامراء فيها· ولكنها تطرح بدورها السؤال : لماذا اندفع الحزب في ذلك الوقت الى طلب الوحدة مع مصر، وألح على ان تكون اندماجية وفورية؟ ولماذا لم يدع مؤسساته القيادية لمناقشة خطوة مصيرية مثل هذه؟· عدم الدعوة هذه تكشف عن خلل تنظيمي خطير· ويبين ان قيادة الحزب كانت في عجلة من امرها· ومن الصحيح ماقاله استاذنا محمد عودة: كان البعث حزبا بلا قائد، وكان عبد الناصر قائدا بلاحزب · وكان من طبائع الامور ان يحاول البعث ان يستظل بشخصية عبد الناصر الفذة، وان يأمل في حكم سوريا من خلاله، بعد ان يخلصه من منافسيه الآخرين· وفي ذلك يقول الحوراني (الحلقة 23 من المذكرات، الشرق الاوسط، 11 اغسطس 1997) ان البيطار جر ضباط الجيش بالخديعة والتخويف لتقدير اخطر الامور التي ليست من صلاحيتهم ولا من اختصاصهم · وتعليقا على قول عفلق في محادثات الوحدة الثلاثية، في ،1963 ان الحزب بالدرجة الاولى عمل الوحدة، والعنصر العسكري نحن وجهناه يقول الحوراني ان هذا القول مخالف للحقيقة لأن الحزب أقر الاتحاد الفيدرالي··· ووضع مشروعا له تبنته الحكومة وكلفت صلاح البيطار بحمله الى القاهرة · ولكن الحوراني نفسه مايلبث ان يعترف كنا نأمل بأن تدفع ثورة الوحدة جمال عبد الناصر في طريق تبني ايديولوجية حزب البعث واستكمالها، من خلال بناء الاتحاد القومي كتنظيم ثورى وحدوى متقدم على البعث، والذي كان يمدنا بهده الاحلام ماكنا نعانيه داخل الحزب من مشاكل، وهشاشة الجبهة الوطنية التي تزايدت بعد ان ساءت العلاقة مع الحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي، بحيث بلغ إحراجنا حدا لا نرى فيه من مخرج الا الإقدام على انقلاب يتولى فيه حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم، ولكن الحزب لم يكن قادرا على تحمل أعباء الحكم بمفرده في سوريا، بالاضافة الى مايؤدي اليه حكم الحزب الواحد من نتائج ·
إذن كان البعث في حاجة الى عباءة عبد الناصر· وفي سبيل ذلك كتب احد منظريه - وهو الدكتور عبد الله عبد الدايم (11): ان صعوبات الوحدة يسهل تذليلها ضمن الوحدة، والاصح ان نبدأ بإعلان الوحدة السياسية ثم نعمل في داخلها على تحقيق مضمونها !!
ولم يلبث البعث ان نسي ذلك كله، أو تناساه· فقد كان يريدها وحدة من مقاس خاص، ولهدف خاص·

الوحدة قبل الأوان:

وصل وفد مجلس الرئاسة الى القاهرة حاملا مذكرة تم اعدادها عند اجتماعه في دمشق، وحين فوجئت قيادته السياسية بنبأ السفر، ولم يكن في قدرتها ان تفعل شيئا· اجتمع عبد الناصر مع الوفد· وحاوره طويلا· ووافق على قبول فكرة الوحدة وطرح شرطين: حل الاحزاب، وإبعاد الجيش عن السياسة· وقبل العسكريون السوريون ذلك· وجاء البيطار، وأجرى محادثات· وعقدت لجنتان وجاء الرئيس السوري شكري القوتلي· وأعلنت الوحدة· وأجري استفتاء في مصر وسوريا على الوحدة، وعلى اختيار عبد الناصر رئيسا· وقامت الجمهورية العربية المتحدة·
فيما بعد سيعترف عبد الناصر بأنه كان يشعر في داخله بأن التجربة جاءت قبل أوانها وبأنه أقبل على تجربة الوحدة مدفوعا بعواطفه اكثر مما كان مقتنعا بعقله (12) وتضمن المثياق الوطني نقدا للتجربة، تجربة الوحدة المصرية السورية، وفي محادثات الوحدة الثلاثية قدم عبد الناصر المزيد من النقد للتجربة ولمواقفه· اما خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري الذي طرح حزبه 13 اساسا او شرطا للوحدة وأثارت عليه وعلى حزبه هجمة عنيفة، فقد خرج يعلن تبين أننا كنا على حق، سواء فيما يتعلق برأينا في الاسس التي يجب ان تقوم عليها الوحدة· او برفضنا حل الحزب (13)·
وحتى لا نفرق في تفصيلات ليس هذا مكانها، فاننا نتوقف عند قضايا اساسية، على رأسها: مسألة الوحدة والاتحاد، وحل حزب البعث لنفسه، واخيرا المشاركة في حكم دولة الوحدة، وذلك كله في إطار العلاقة الناصرية - البعثية·
ومن مراجعة محاضر محادثات الوحدة الثلاثية (مصر - سوريا - العراق) في القاهرة في عام ،1963 وهي محاضر منشورة، يتبين ان سوريا كانت صاحبة فكرة الوحدة الاندماجية ، وانها - على لسان مفاوضيها لم تقبل الاتحاد· ويبرر عفلق ذلك بأن الاحداث تحركت بأسرع مما رسمه المشروع الذي قال ان البعث أعده، فتعذرت دراسته بعناية (14)
ان البعثيين فيما كتبوه وقالوه بعد الانفصال حاولوا ان يوحوا بأنه كان هناك اتفاق مع بعد الناصر حول ان يتولوا قيادة التنظيم السياسي لدولة الوحدة وهو الاتحاد القومي، او أن تكون هناك قيادة مصرية - بعثية مشتركة، او ان تطلق يدهم في سوريا·
ويرى مالكولم كير ان حزب البعث اعتقد خطأ ان عبد الناصر في حاجة شديدة الى مساعدته· ولكن الثابت، كما يقول، ان عبد الناصر لم يطلب ذلك (15) وما ينفيه كير يقرره البيطار بقوله: القيادة هي مشاركة بين السوريين والمصريين· الرئيس عبد الناصر وافق طبعا وقال ان تجربة مصر الحزبية حديثة وحزب البعث هو مؤهل لأن يعطينا تجربته، وانا لا أعرف غير حزب البعث بسوريا (16) ويؤكد محمود رياض ان عبد الناصر لم يكن يستطيع ان يفرض على سوريا حكما بعثيا في مواجهة كافة السياسيين الذين اقبلوا على الوحدة راضين ومؤيدين (17)·

شهادة حمدون:

عودا على بدء، وتأكيدا لما سبق، فإن قائدا عسكريا بعثيا تولى احدى الوزارات في اول وزارة لدولة الوحدة، الجمهورية العربية المتحدة، هو مصطفى حمدون، يقرر ان مرحلة ايجابية بين عبد الناصر والبعث بدأت في ·1955 ويروى ان عبد الناصر قال له في لقاء معه في ذلك العام: انتبهوا ياحمدون·· ان الحزب مستهدف، انهم يريدون ذبحكم · (18)
ويضيف حمدون ان البعث، منذ حرب ،1956 لم تعدله ملاحظات على عبد الناصر، واصبحت العلاقات بينهما في 1957 على احسن ماتكون · وقد اختفت عندئذ الملاحظات والتحفظات على الدكتاتورية العسكرية والحكم غير الشعبى· ومنذ بداية 1956 قال عفلق ان الانقلاب المصري تقدمي، وان كان غير انقلابي، اي غير ثورى !· ومنذ ،1957 اصبح عبد الناصر يرقب الوضع في سوريا بقلق واهتمام·(19) ويعرف مشاكل سوريا (20) لكنه لم يكن يعرف سوى عدد محدود من الشخصيات السورية وكان المجتمع السوري غريبا عليه (21) يكفي انه لم يزر سوريا الا بعد الوحدة· ولكنه كان على علم بالخلافات الحادة بين الاحزاب كان السوريون انفسهم يتحدثون اليه بصراحة عن خلافاتهم في مقابلاتهم له ولذلك كان يشعر بأن الوحدة تعرضه للدخول في متاهات هذه الخلافات ، والتي يفتقد المعلومات حول اسبابها وخلفياتها ·(22)
ولم يعرض عبد الناصر الوحدة على سوريا ولم يفرضها بل رأى انها كانت مؤجلة لمدة 5سنوات· وكان البعث هو الذي ضغط بشكل متواصل، وكان عبد الناصر يرى ضرورة التمهيد للوحدة·(23)
ومرة أخرى، نعود الى مسألة وحدة ام اتحاد معتمدين على شهادات البعثيين فقط، فقد رأينا من قبل خلافا بين الحوراني والبيطار، واختلافا بين وجهتي نظر· ولكن مصطفى حمدون الذي كان معروفا بقربه من الحوراني يضيف الى ذلك أبعادا اخرى، فيذكر انه بعد اجتماع المجلس العسكري الذي قرر فيه ارسال وفد الى القاهرة، توجه حمدون نفسه ومعه رفيقه عسكريا وحزبيا عبد الغني قنوت (24) الى بيت اكرم الحوراني، وكان عنده صلاح البيطار، وشرحا لهما ماجرى في الاجتماع· ويقول حمدون:
والذي أذكره جيدا ان اكرم الحوراني وصلاح البيطار حذرانا قائلين: (احذروا عفيف البزره لأنه غير جاد في موضوع الوحدة)· انا فهمت أنهما مع الوحدة· لكن اكرم الحوراني يقول ويصرح الآن (انه أوصاني بأن الحزب اتخذ قرارا بالاتحاد بين مصر وسوريا)·
وفي كلمات محدودة، بل ربما قاطعة الدلالة، يضيف حمدون:
وانا الآن أقولها للتاريخ: اننا كضباط لم نكن نميز بين الوحدة والاتحاد·· اقصد مايتعلق بالوضع الدستوري: ما معنى الوحدة وما معنى الاتحاد؟ كل الذي نعرفه ونريده اننا ذاهبون الى مصر لإقامة نوع من القوة بوحدة البلدين (وحدة سوريا ومصر) ولتحقيق أمل طالما كافحنا من اجله طويلا (25)
هذا يكشف مستوى التثقيف السياسي البعثي للاعضاء، فما بالنا ومصطفى حمدون عضو غير عادي انه كادر عسكري، انه الرجل الذي اطلق الطلقة الاولى في التحرك الذي اطاح في 1954 بحكم الشيشكلي، والرجل الذي تولى بعد حوالي شهر من الأحداث التي يرويها منصبا و زاريا، هو منصب وزير الاصلاح الزراعي في سوريا ·
وتستوقف المرء في حديث مصطفى حمدون هذا، والذي يرقى الى مستوى الاعترافات، قوله (ص 98) حرفيا مايلي:
هنا لابد أن اقول: أن اكرم الحوراني وصلاح البيطار عارضا ادخالي الى الوزارة، وارادا ابقائي في الجيش· الا ان عبد الناصر اصر على إخراجي من الجيش وتسليمي منصبا وزاريا· وكانت حجة عبد الناصر بإبعادي عن الجيش ان كل الضباط الذين اشتغلوا بالسياسة يجب أن يتسلموا مهمات اخرى مدنية !!· وقد تأخر إعلان تشكيل الوزارة ثلاثة ايام بسبب ذلك ·
ويعقب حمدون على هذه الواقعة متسائلا في استنكار:
من كان يستطيع ان يقول لعبد الناصر (لا) في تلك الظروف التي بلغ فيها المد القومي والوحدوي أوجه؟ · وهو تساؤل لا محل له، ذلك ان البيطار والحوراني قالا : (لا) وتأجل التشكيل الوزراي، ولكنها كانت لا خارجة على ماتم الاتفاق عليه من إبعاد العسكريين المسيسين عن الجيش، ويذكر حمدون نفسه في الحلقة الثانية من حديثه (26) ان ضباط مجلس القيادة قبلوا شرط عبد الناصر وهو ان يكونوا جميعا تحت تصرفه وانه يمكن ان ينقل من شاء ومتى يشاء وأشار الى ان امين الحافظ قال لعبد الناصر: انت رئيسنا وقائدنا، ولك الحق ان تنقل من تشاء من ديريك في اقصى شمال سوريا الى أسوان

لوائح بالاسماء:

وفي هذا الحديث والاعتراف يقول مصطفى حمدون انه سلم الى المقدم المصري أحمد زكي لوائح بأسماء ضباط الجيش السوري تحتوي معلومات عن اتجاهاتهم السياسية· ويحاول ان يبرر ذلك بأنه مسعى الى حماية الضباط البعثيين، وبتعبيره: كنت اخشى ان يساء الى الكثير من رفاقنا فيسرحوا من الجيش او يركنوا في اماكن غير حساسة · معنى ذلك، انه لا مانع - من وجهة نظر حمدون البعثي - من تسريح الآخرين او ركنهم في اماكن غير حساسة، اما العسكريون البعثيون فلهم الحماية· وحين امتدت التسريحات والتنقلات الى البعثيين، ملأ البعث الجو صراخا· واختلطت الحقائق بغيرها، اذ سرى حديث التسلط المصري على الجيش، ويبدو انه كان صحيحا بشكل او بآخر، وبقدر أو آخر(27)
كانت اذن، للبعث حساباته ومطالبه، عند ابرام الوحدة· وكان بعض هذه الحسابات ضيقا جدا، وشخصيا في الوقت نفسه· فمثلا كان صلاح البيطار يريد ان يكون وزير خارجية دولة الوحدة، بدلا من الدكتور محمود فوزي، ولما اسندت اليه وزارة دولة، ثم وزارة الارشاد المركزية حملها في نفسه، وربما كان ذلك احد دوافعه للاستقالة في عام ،1959 والحديث عن الاقليمية، والهيمنة السياسية، واستبعاد الحزب الذي قام بالخطوة الوحدوية ·(28)
كان البعثيون في عجلة من امرهم بشأن الوحدة· كان لديهم تصورهم الخاص الذي يمكن تلخيصه في بعثنة التجربة· ومن هنا جرى حديثهم عن انتماء عبد الناصر اليهم، الى البعث· ويشير مصطفى حمدون، في حديثه الذي سلفت الاشارة اليه، الى ان اكرم الحوراني وصلاح البيطار نقلا الى التنظيم البعثي في الجيش السوري انهما وافقا على حل الحزب لأن عبد الناصر اقنعهما بأنه سيقيم اتحادا قوميا ليس بديلا عن حزب البعث، ولكنه يقوم بدور حزب البعث، هكذا قالوا وهذا مانقلوه على لسان عبد الناصر، والاكثر من ذلك انهما نقلا لنا ان عبد الناصر كرر امامهم عدة مرات بانه يعتبر نفسه بعثيا! ·
وفي جزء آخر من الحديث، يعود حمدون الى هذه النقطة ليزيدها ايضاحا، ويقول: لقد قال عبد الناصر لأكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار: انني بعثى ومؤمن بمبادى حزب البعث العربي الاشتراكي، واعتبروني بعثيا رغم انني لا ادفع اشتراكا للحزب · كما ان قادة البعث قالوا عن عبد الناصر آنذاك انه تنطبق عليه كل مواصفات البعثي·

مصاعب الوحدة:

ولو افترضنا - جدلا - ان عبد الناصر كان بعثيا، فهل كان يؤدي ذلك الى حل الحزب، والادعاء ان هذا تم بناء على طلبه· صحيح انه طرح هذا الطلب· ولكن الصحيح ايضا ان احدا من البعثيين لم يناقشه، ولم يعترض· وحتى الذين عارضوا، الترموا الصمت· وكان الحزب الشيوعي السوري هو الحزب الوحيد الذي رفض ذلك من البداية، وعلنا وصب البعث عليه جام غضبه· وحين تعرض اعضاؤه لأقسى انواع التعذيب لم يتحدث بعثي بكلمة واحدة دفاعا، بل كان العكس هو الصحيح·
وكل هذا مرجعه الى العجلة والاستعجال في فرض الوحدة· صحيح ان الشارع السوري كان، في تلك الايام، مطالبا بالوحدة، وملحا في طلبها، ولم يكن احد يستطيع ان يعترض هديره، فقد خضع الشارع الوحدوي اصلا لقوى إثارة وليس لقوى ثورة· وعلى مستوى الكلام، والكتابة كان البعث يبدو وهو يدرك صعوبة المهمة، ولكنه لم يترجم هذا الكلام الى عمل، واجراء·
في نشرة مؤرخة في مارس ،1959 وتحمل عنوان حول الموقف الراهن في العراق (29) - وهي نشرة خاصة بالاعضاء فقط· عندئذ - تقول الامانة العامة لحزب البعث العربي الاشتراكي ان الوحدة بين سوريا ومصر لم تكن سهلة لأن الوحدة فكرة ثورية يتطلب تحقيقها تخطي كل الاعتبارات المحلية والمصالح المرتبطة بالتجزئة، وإزالة كل ما خلفه وضع التجزئه من آثار في الفكروالثقافة، والتغلب على المشاكل والصعوبات التي تنشأ من الوحدة
وفي هذه النشرة - وهي مؤرخة في مارس 1959 - إشادةالتطور الذي تشهده الجمهورية العربية المتحدة، في النواحي الاقتصادية والثقافية والفنية، فهي تشهد اصلاحا وبناء يتناول مرافق الحياة لم تعرفه الامة العربية في تاريخها الحديث· وتوضع في هذه الدولة الفتية الآن اسس نهضة شاملة تستهدف تجديد الحياة ورفع مستوى المعيشة والثقافة والصحة لجميع افراد الشعب· وتتسم حركة البناء هذه بميلها لخطى اشتراكية تقدمية تستهدف تحقيق العدل الاجتماعي· وتتمثل النزعة الانسانية في هذه النهضة بسياسة الحياد الايجابي الذي مدت جذورا عميقة في السياسة العربية الحاضرة، وبالتعاون المخلص مع جميع الامم لخير البشرية، ومؤازرة حركات التحرر في كل العالم إقرار بأن للوحدة صعوباتها من ناحية، واعتراف - في الوقت نفسه - بأن لدولة الوحدة انجازاتها، وبعد ذلك بشهور تأتي استقالة الوزراء البعثيين من حكومة الجمهورية العربية المتحدة· فما تفسير ذلك؟
ان هذا يعيدنا الى وضعية حزب البعث في سوريا، عند قيام الجمهورية العربية المتحدة، من ناحية، والكيفية التي صدر بها قرار حل الحزب، وكيف تم التراجع عن ذلك، ومغزاه·
نعود مرة أخرى الى مذكرات اكرم الحوراني (الحلقة 22)، حيث يذكر ان عددا من الحزبيين خاطبوه بأنه لا يجوز حل الحزب دون توضيح وتبرير مكتوب يعمم على الفروع في سوريا وفي الاقطار العربية الاخرى· وكان جواب الحوراني على هذا المطلب هو: انني وافقت على حل الحزب في سبيل قيام الوحدة، ولكنني لا أتمكن من تقديم اي تبرير مكتوب ودعا الى طلب ذلك من عفلق او البيطار او غيرهما من مثقفي الحزب، وبالفعل، وضع عفلق تقريرا مكتوبا برر فيه الحل وتلاه· على عدد من أعضاء الحزب فلم يعترض عليه أحد وأظن أنه عمم على الفروع داخل وخارج سوريا
ويرى الحوراني ان عفلق تحمل هذه المسؤولية ليؤكد قيادته للحزب، اذكان ضعيف الامل في ان يتولى مسؤولية رسمية في الجمهورية العربية المتحدة، وكان يأمل ان يبقى قائدا مرموقا في الدولة الجديدة وامينا عاما للحزب في البلاد العربية الاخرى التي ينافسه عليها عبد الله الريماوي، مطمئنا الى التوجه المصري الذي بدأ نموه قبيل إعلان الوحدة ·

هوامش ومراجع:

1- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص ·426
2- المصدر نفسه، ص ·430
3- المصدر نفسه، والصفحة نفسها·
4- محمود رياض: الأمن القومي العربي، مصدر سبق ذكره، ص ·210 وقد تشكل المجلس العسكري المشار اليه في اغسطس ،1957 برئاسة عفيف البزرى، رئيس الاركان، وكان يضم 24 عضوا يمثلون كافة الكتل العسكرية (بلغ عددها 7 كتل تقريبا) وعددا من القادة الذين لا ينتمون الى هذه الكتل· ويقول رياض (ص 209) ان هذا المجلس اعتبر نفسه بمثابة مجلس ثورة، وحدد اهدافه بحماية استقلال سوريا والحيلولة دون انضمامها الى الاحلاف الاجنبية، ومراقبة اهداف الحكومة للمحافظة على هذه الاهداف، دون التدخل في الاعمال الحكومية·
5-احمد عبد الكريم: حصاد سنين خصبة وثمار مرة· بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، ·1994 ص 389 - ·390
6- محمود رياض: الامن القومي العربي، مصدر سبق ذكره، ص ·213
7- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص ·363
8- المصدر الاخير، ص ·364
9- احمد حمروش: مصدر سبق ذكره، ص ·75
10- باتريك سيل: مصدر سبق ذكره، ص ·412
11- عبد الله عبد الدائم: الوطن العربي والثورة، ص ·152
12- محمد حسنين هيكل: سنوات الغليان· مصدر سبق ذكره، ص 593 و594
13- عماد نواف (اعداد وحوار): خالد بكداش يتحدث، دار الطليعة، دمشق، ،1993 ص ·81 أحمد حمروش: عبد الناصر والعرب، مصدر سبق ذكره، ص55 و·56
14- باتريك سيل: الصراع على سوريا، مصدر سبق ذكره، ص ·415
15- مالكولم كير: عبد الناصر والحرب العربية الباردة 1958 - ·1970 ترجمة عبد الرؤوف احمد عمرو والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ·1997 ص ·45
16- القومية العربية في الفكر والممارسة، مصدر سبق ذكره، ص ·410
17- محمود رياض : الامن القومي العربي، مصدر سبق ذكره، ص ·227
18- حوار مع مصطفى حمدون وزير الاصلاح الزراعي في دولةالوحدة· آفاق عربية(مجلة شهرية كانت تصدر في بغداد)، السنة ،18 يناير ·1993 ص ·91
19- محمد حسنين هيكل : سنوات الغليان، مصدر سبق ذكره· ص ·266
20- حوار مع مصطفى حمدون: مصدر سبق ذكره·
21- محمود رياض : الامن القومي العربي، مصدر سبق ذكره، ص ·199
22- المصدر الاخير نفسه، الصفحة نفسها·
23- المصدر الاخير نفسه، ص ·203 ويذكر رياض (ص 204) ان قادةالبعث كانوا يرون ان عبد الناصر هو اول زعيم مصري يدعو الى القومية العربية ووحدة العمل العربي، وان الشعب المصري يرغب في الوحدة بالرغم من بعض المظاهر التي تشير الى عدم اهتمامه بها في الوقت الحالي، الا انه ستتولد لديه قناعة بها عند الممارسة الفعلية للوحدة · ويقول ايضا (ص 205): اذكر تماما انني حذرت اكرم الحوراني، خلال مناقشة طويلة، بأن التسرع في قيام الوحدة قد يؤدي الى توجيه اتهامات الى مصر بأنها ضمت سوريا اليها، وقد يجد ذلك صدى لدى بعض السوريين· فنفى بشدة امكانية حدوث ذلك واكد ان السوريين جميعا يؤمنون بالوحدة مع مصر· وللأسف فقد حدث ماتوقعته، وقد ذكرت اكرم الحوراني بهذا الحديث بمنزله عندما قدم استقالته قبل الانفصال بوقت قصير، فاعترف بأنني كنت على حق ·
24- في ترجمة د· عبد الرؤوف عمرو لكتاب مالكولم كير: عبد الناصر والحرب العربية الباردة، مصدر سبق ذكره، كتب اسم قنوت على انه كانوت (ص 44) ولم يكلف السيد المترجم ولا رئيس تحرير السلسلة التي صدر فيها الكتاب، وهو مؤرخ كبير، نفسيهما مشقة سؤال اي مواطن سوري عن حقيقة الاسم· وكله باسم الترجمة يهون ومثل هذه الاخطاء تجعل المرء يشك في مدى دقة الترجمة!!
25- حوار مع مصطفى حمدون، مصدرسبق ذكره، ص ·94
26- حوار مع مصطفى حمدون، آفاق عربية، السنة الثامنة عشرة، فبراير ،1992 ص 66
27- بروح الانصاف التي يتحلى بها، كتب امين هويدي في كتابه كنت سفيرا في العراق ، مصدر سبق ذكره، ص ،73 عند حديثه عن محادثات الوحدة الثلاثية تحدث بعض اعضاء الوفد السوري حديثا عاما دون تحديد وقائع معينة، فتحدث البعض عن انه كان يوجد تمييز بين المصريين والسوريين، مما ادى الى انكماش السوريين على انفسهم، وتحدث البعض عن نقل ضباط من الجيش السوري للعمل بالقاهرة بقصد الإبعاد وعن تعيين القيادات العسكرية السورية ممن ليس لديهم القدرة على تحمل المسؤولية وكيف ان بعض الضباط المصريين كان يدعي انه مكلف بمأموريات معينة ليوهم قادته ومرءوسيه ان له اتصالا بالجهات العليا، ولا شك ان الحديث كان فيه الشيء الكثير من الحقيقة، مما كان يعتبر احدى السلبيات الحقيقية التي ولدت أزمة الثقة لدى الكثيرين ·
28- صلاح البيطار، في القومية العربية في الفكر والممارسة مصدر سبق ذكره، ص ·440
29- نضال البعث الجزء الرابع، مصدر سبق ذكره، ص ·79


الإتحاد الإماراتية http://www.alittihad.co.ae/search.details.asp?M=1&ArticleID=4743

ا ندوة عالم مابعد 11 سبتمبر





عالم ما بعد 11 سبتمبر يجعل احياء المشروع القومي حتميا




* نسبة ما جرى بعد 73 إلى يوليو نوع من التدليس التاريخي * واشنطن تريد اسرائيل الأقوى لذلك تحولت مصر من بناء المصانع الى القرى السياحية


تأتي الذكرى الخمسون لثورة 23 يوليو في مصر، في ظل ظروف عربية ودولية عصيبة.. وفي مناخ من المواجهات الحاسمة في تاريخ المنطقة، تستوجب منا جميعا أن نقف طويلا امام هذه الذكرى.. ونستحضر تجربة وسيرة 50 عاما من النضال، ونحاول أن نرى الحاضر والمستقبل على هدى هذه الثورة، التي غيرت وجه الحياة في مصر والمنطقة العربية.


وفي هذه المناسبة، عقد مكتب «البيان» في القاهرة حلقة نقاشية تحت عنوان «ثورة يوليو: نظرة نقدية.. ورؤية للمستقبل»، شارك فيها مجموعة من السياسيين والمفكرين المصريين، من الذين عاصروا تفجر الثورة.. وعايشوا معاركها وانتصاراتها، وأيضا انكساراتها.


بدأ جلال عارف ـ مدير مكتب «البيان» بالقاهرة ـ الحلقة بقوله ان المدخل الطبيعي لمناقشة الموضوع، خصوصا لأجيال لم تعاصر الثورة.. ولم تتعرف على أسباب اندلاعها، ان يتم القاء مزيد من الضوء على الظروف التي قامت بسببها ثورة يوليو 1952، سواء على المستوى المحلي في مصر أو الاقليمي في المنطقة العربية أو المستوى الدولي، للاجابة عن هذا التساؤل الكبير الذي ردده أعداء الثورة كثيرا ولا يزال بعضهم يردده حتى اليوم، في عملية غسيل مخ تهدف لمحو ذكرى هذه الثورة، وهو: هل كانت ثورة يوليو مجرد مغامرة عسكرية،


مثل المغامرات الأخرى التي كانت تسود المنطقة وقتها، قام بها مجموعة من الضباط الشبان عديمي الخبرة والتجربة، أو انها كانت جزءا من صراع القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة أم أنها كانت حاجة وضرورة ملحة، مصرية وعربية، استوجبتها الظروف والتحديات التي مرت بها مصر والمنطقة؟ وبعبارة أخرى: هل كانت الثورة (انقلاباً) على أوضاع يتباكى البعض عليها الآن، باعتبار انها كانت اوضاعا ليبرالية تبشر بالخير والازدهار، أم أنها كانت ضرورة نضالية وحياتية لمصر والمنطقة العربية والعالم الثالث بأسره؟


حضور الندوة


شارك في الحلقة النقاشية عن (ثورة يوليو: نظرة نقدية.. ورؤية نقدية.. ورؤية للمستقبل» كل من الاساتذة: محمد عودة الكاتب والمفكر الكبير، وعبدالغفار شكر المفكر السياسي المعروف، والدكتور اسامة الغزالي حرب عضو مجلس الشورى المصري ورئيس تحرير مجلة «السياسة الدولية» والدكتور عبدالحليم قنديل الكاتب الصحفي ورئيس تحرير جريدة «العربي» الناصرية.


وشارك في جزء من الندوة سامح عاشور نقيب المحامين المصريين رئيس اتحاد المحامين العرب.


فلسفة الثورة


محمد عودة: في كتاب فلسفة الثورة، يروى عبدالناصر قصة اعتقد انها تجيب على هذا السؤال: وهي أن القائمقام أحمد عبدالعزيز ـ قائد المتطوعين في فلسطين ـ جمع الضباط، ولم يكن الجيش النظامي قد دخل بعد، وقال لهم: ان المعركة الحقيقية في مصر.. ونحن لن نستطيع تحرير فلسطين، الا اذا حررنا مصر.. وهو بهذه الكلمة، اعطى الرؤية الحقيقية لثورة يوليو.. فالثورة لم تكن مغامرة عسكرية، ولم تكن مجرد ثأر لهزيمة .1948. ولكن كان فيها رؤية سياسية استراتيجية متكاملة، توضح ان المعركة في مصر لا تعني فقط تحرير فلسطين.. وانما أيضا تحرير كل المنطقة العربية.


فالضباط الاحرار الذين قاموا بالثورة، كانوا قد درسوا الحرب العالمية الاولى.. ودرسوا قطعا النظرية المتكاملة، التي ظهرت منذ أيام ابراهيم باشا، والتي تقول ان الأمن العربي لا يتجزأ، من جبال طوروس شمالا الى منابع النيل جنوبا. واريد ان اذكر ان الجنرال اللنبي عندما دخل القدس قال: الآن انتهت الحروب الصليبية، ومعنى عبارته انه بالسيطرة على هذه المنطقة سيتمكن الغرب من انهاء الحرب الصليبية المستمرة منذ ألف عام.


ثورة يوليو اذن حققت هذا الهدف، هدف تحرير مصر والسعي لتحرير كل المنطقة العربية، والتزمت به منذ البداية والشرارة الثورية امتدت ايضا ـ بعد الدائرة العربية ـ الى الدائرة الافريقية، ثم الدائرة الاسلامية لأن المنطقة كلها كانت حبلى بالثورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي منطقة ذت أهمية خاصة وهي مستهدفة دائما، وكانت تعتبر سُرة العالم منذ أيام نابليون، واكتسبت أهميتين اضافيتين كبيرتين بعد الحرب العالمية.. فهي أصبحت أغني منطقة في العالم بالبترول، وثانيا أنها باتت من أهم المناطق في استراتيجية الحرب الباردة وكانوا يسمونها بطن روسيا الناعم، لذلك رأى الغرب انه لابد من الاستيلاء عليها، لهذين السببين تحديدا،


واصبحت منطقة رئيسية للصراع على النفوذ ابان الحرب الباردة. ولذلك فان هدف تحرر مصر، الذي سعت الثورة لتحقيقه، كان معناه اسقاط هذه الاهداف الاستعمارية، وهي حاولت ليس فقط تحرير مصر ولكن تحرير الامة العربية كلها. ومن هنا بدأت المعارك المعقدة التي استهدفت الثورة المصرية، والتي شهدتها المنطقة العربية أيضا.


أما بالنسبة للأوضاع الداخلية في مصر، فأقول لمن يرددون أن ثورة يوليو 1952 ارتكبت خطأ، بالقضاء على التجربة الليبرالية التي كانت موجودة في البلاد وقتها، أن الثورة قامت بعد 6 أشهر من القضاء النهائي على الليبرالية في مصر.. وذلك عندما حدث حريق القاهرة يناير 1952، ثم اقالة الملك لآخر وزارة من وزارات الوفد وبالطريقة المهينة التي اقيلت بها، من تغيير ست حكومات خلال ستة أشهر فقط.


وأضيف الى ذلك ماكشفته الوثائق عن وجود اتفاق بين ملك مصر السابق فاروق والولايات المتحدة الأميركية، يقضي بمساعدتهم له بفرقتين مسلحتين لدعم وجوده في السلطة. كل ذلك أدى الى سقوط مايسمى بـ الليبرالية المصرية، التي لم تتحقق أو تستقر على أرض الواقع.


لكن المؤكد أن مصر، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي حبلى بالثورة.. فمنذ عام 1946 كانت انتفاضة الجامعة، والتي هتف فيها المتظاهرون ـ لأول مرة ـ بسقوط الملك، ثم شهدت البلاد ـ بعد ذلك ـ أطول انتفاضات عمالية، وعرفت أول انتفاضات زراعية مسلحة، وشهدت أغرب الأحداث.. وهي اضراب البوليس، ثم جاءت هزيمة الجيش المصري في حرب 1948. وهذه كلها كانت أحداث جعلت جنين الثورة يكتمل، ويخرج في ليلة 22 يوليو 1952.


الحقبة الليبرالية د.أسامة الغزالي: اتصور أن الحديث عن ثورة يوليو بعد مرور 50 سنة على قيامها، يختلف عنه بعد 10 أو 20 سنة، فنصف قرن من الزمان فترة كافية، وتسمح لنا بنظرة موضوعية، ونحن الآن أحوج مانكون لرصد الأزمات الحقيقية والمسيرة المتعثرة والاحباطات الهائلة التي تحيط بنا من كل جانب الآن.


وفي ضوء ذلك، اعتقد اننا في حاجة لأن نفهم أكثر ـ بشكل موضوعي فترة ماقبل يوليو 1952، وتحديدا منذ عام .1923. أي الثلاثون عاما التي سبقت الثورة، وهي التي توصف بأنها الحقبة الليبرالية. وأنا أدعي انه كلما قرأت أكثر عنها، وكذلك كلما تعرفت على الاحداث قبلها وبعدها، اعتقد ان هذه الفترة ظلمت كثيرا وأظن أننا بحاجة لأن نفهمها أكثر على حقيقتها، بدون تحيز مع أو ضد. فلا شك أن كل مايقال عن الاوضاع الداخلية ـ خاصة على الصعيد السياسي ـ التي مهدت للثورة، سليم تماما..


فلا يمكن التشكيك ـ مثلا ـ في مسألة فساد الملك، أو الاحتلال، أو قصر نظر كل القوى السياسية.. بما فيها (الوفد) حزب الاغلبية، والعجز لدى النظام السياسي عن استيعاب القوى الجديدة التي ظهرت في هذه الفترة مثل: الاخوان المسلمون أو الشيوعيون أو حركة مصر الفتاة، وغيرها من القوى التي كان يموج بها المجتمع والحياة السياسية المصرية. ولا شك ايضا انه كانت هناك حالة من الضيق والتذمر لدى الناس، على الاقل ازاء ظاهرة عدم استقرار النظام السياسي الغريبة، فقد كانت الوزارة تتبدل كل شهر تقريبا، وحزب الاغلبية الوفد لم يحكم الا ما مجموعه 6 سنوات طوال تلك الفترة كلها.. وهذه أشياء كلنا نسلم بها.


انما أنا أشعر أننا لم نعرف هذه الفترة بالكامل، وأعتقد أنه أيا كانت نواحي القصور في تلك الحقبة الزمنية.. فانها شهدت تجربة يمكن أن نسميها «شبه ليبرالية»، فقد كان هناك دستور عام .1923. وكانت هناك درجة معينة من الحريات السياسية والاجتماعية، وكذلك الحريات العامة.. مثل حرية التعبير والصحافة، لاشك أنها كانت متقدمة اذا ما قورنت بكل المنطقة المحيطة بمصر. والاهم من ذلك، أن هذه الدرجة من الحرية النسبية أنتجت ربما أفضل ما ظهر في مصر الحديثة من ظواهر فكرية وثقافية..


فكبار مفكري مصر، مثل طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم وغيرهم من القمم الثقافية، ظهروا في هذه الفترة. ونفس الامر ينطبق على الفن: أم كلثوم وعبدالوهاب في الغناء، وكبار فناني المسرح والسينما، والاسماء اللامعة في الفنون التشكيلية.


اذن، تلك الفترة شهدت ازدهارا حقيقيا في الحياة الثقافية والفكرية المصرية، وكانت تموج بحيوية سياسية واجتماعية لا يمكن انكارهما على الاطلاق. وصحيح اننا كلنا نعلم الابعاد الطبقية لهذه الحرية، وكلنا نعرف ونفهم حدودها لكن الصحيح أيضا أن المجتمع كله كان في حالة نهوض ملموسة. حتى في المجال الاقتصادي، نجد أن تلك الفترة ظلمت كثيرا. من المهم أن نخضعها لدراسة موضوعية.. ونفهمها بشكل متوازن، من اجل أن نستطيع تقويم التجربة المصرية تقويما موضوعيا.


واذا رجعنا الى ما قبل الثورة عام 1945 وما بعده، كان الهاجس الاساسي الذي يراود القوى العظمى الصاعدة ـ آنذاك ـ التي ورثت الامبراطورية البريطانية، وهي الولايات المتحدة الأميركية، هو محاربة الشيوعية ومن عاشوا في تلك الفترة يدركون كيف كانت الولايات المتحدة تتحدث عن الشيوعية كما تتحدث اليوم عن الارهاب، وهذه هي طبيعة الأميركيين..


فهم عندما يكونون مهمومين بشئ معين، فانهم يرون كل الدنيا من هذه الزاوية. ولذلك أنا أتصور أن الولايات المتحدة كان همها الاساسي في هذه المنطقة، وهذه مسألة ثابتة تاريخيا وسياسيا، هو ـ بالدرجة الاولى ـ احتواء الخطر الشيوعي.


اذن، ولكي نفهم الظروف الاقليمية والدولية التي أحاطت تلك الفترة، فان «ثورة يوليو» عندما قامت ـ في ذلك الوقت ـ كانت هناك قوات احتلال انجليزية في مصر وبعض الدول المجاورة لها، والثابت تاريخيا أن الولايات المتحدة ضغطت على بريطانيا.. حتى لا تتدخل لمواجهة الحركة التي قام بها الجيش المصري في يوليو 1952، لأن أميركا كان تقديرها أن هذا النظام الجديد هو أفضل من أي احتمالات أخرى للثورة، لأنها تعرف الجيش وانضباطه


.. وأنه سوف يكون هو القوة التي تقف ضد التوسع والخطر الشيوعي في المنطقة. ولاشك أن التقدير الأميركي هنا كان سليما، كما أن «عبدالناصر» كان من القوة والجاذبية والشعبية بحيث أنه قضى على أي أمل للشيوعيين بأن يكون لهم أي نفوذ في هذه المنطقة.


حلقة مفرغة سامح عاشور: لم يعد هناك أي شك في تقدير الاسباب والمبررات التي أدت الى اندلاع الثورة، ولا يستطيع أحد أن يقول الآن أنه لم تكن توجد مبررات.. صحيح أننا قد نختلف على مساحاتها أو أبعادها، لكن لا يمكن انكارها على الاطلاق. كذلك لا أحد يستطيع أن ينكر أنه كانت هناك تجربة ليبرالية موجودة في الحكم، ساهمت في الحركة الوطنية المصرية لكنها فُرغت من مضمونها، وتحولت من منطق تداول السلطة الى منطق تبادل وتوالي السلطة، حتى أصبحت التجربة مفرغة من المعاني والمضامين. فعندما تتبدل الحكومات الواحدة تلو الاخرى، خلال فترة زمنية لا تتجاوز عدة شهور، دون أن تقدم أي حكومة منها موقفا واضحا يفصل بينها وبين الحكومة السابقة عنها.. أو التالية لها،


فان معنى ذلك أن المجتمع وصل الى (حلقة مفرغة).. وأصبح مثل المركب التي تسير نحو جرف بسرعة كبيرة جدا، ومن هنا كان لابد وأن يحدث تحول في اتجاه آخر.


وأنا هنا أطرح سؤالا، أعتقد في أهميته، وهو: هل نحن الآن في حاجة للبحث في الثورة؟.. أنا أقول: نعم، ولكن ليس من منطق أو منطلق أن نقيم أو نرصد مناقب الثورة أو عيوبها، وانما من منطلق أن هناك أهمية كبيرة جدا الآن في الشارع لوجود «مرجعية» وجذور، بعد فترة طويلة للغاية من الفراغ الذي حاولت فيه بعض الحكومات والقيادات أن يقطعوا «جذور الثورة» عن ما يجري في مصر والوطن العربي، وبعد أن فشل منهج التعايش مع قوى العالم


. لأنه في الحقيقة حدث انقلاب عن نهج الثورة، فبعد أن كان «عبدالناصر» يواجه بثورته ويخوض معارك تمثل ـ سواء فشلت أو نجحت ـ الطموحات والأماني القومية للمواطن العربي، الذي كان يستشعر فيها بالقوة والعزة والاعتزاز بالنفس فاننا نجد أنفسنا الآن، ومنذ عشرات السنين، نسير في ركب «الآخر».. وبمنطق مختلف، هو منطق التعايش والقبول والتسليم بما تراه القوى المحيطة بنا، وهذه القوى الآن هي: اسرائيل وأميركا..


وبالتالي أصبحنا أسرى للموقف الأميركي والاسرائيلي في كل القضايا التي أمامنا وحولنا، ولا نستطيع أن نأخذ خطوة حقيقية الا ونحسب حساب أن هناك احتمالا لمواجهة قد تضيع مصر، وبالتالي فان علينا أن نتراجع خطوات كبيرة وحاسمة الى الوراء.


وأنا أرى أن فشل «منهج التعايش» الحالي، يفرض علينا أن نحدث تعديلا جديدا في الخطاب السياسي والاعلامي والقانوني، بالشكل الذي يجعلنا نحصد الفوائد التي حصلت عليها الأمة العربية نتيجة رفضها ـ في الماضي ـ التعايش والاستسلام، وانتصاراتها التي تحققت في المنطقة بغض النظر عن اختلاف الظروف والمعايير التي تفرض علينا أن نعدل في وسائلنا وأدواتنا، لكي نخرج من مرحلة التعايش والتسليم بما يتم حولنا ويرسم لنا من حدود الى مرحلة أخرى من المواجهة، ندرك فيها ما تم من تغيير في خريطة العالم


.. وأن نعي خطورة المواجهة بشكلها التقليدي، لكن علينا أن نتحول جميعاً للبحث عن وسيلة جديدة للتعامل مع هذا العالم الجديد، الذي يريد أن يعيد المنطقة الى ما قبل التاريخ، فالمطلوب منا الآن هو ـ ببساطة شديدة ـ أن نعود الى ما قبل عصر «محمد علي»، سواء في مصر.. أو المنطقة العربية كلها.


وفي مواجهة ذلك، أكرر القول بأننا في أشد الحاجة الآن لاستحضار تجربة «ثورة يوليو» ونهجها في التعامل مع كافة القضايا من منظور وطني وقومي خالص، على أن نأخذ في اعتبارنا أن العالم قد تغير.. ويحتاج آليات جديدة للتعامل معه، شرط ألا تفقدنا رؤانا وارادتنا المستقلة.


الانجاز الرئيسي


عبدالغفار شكر: أنا أوافق على ما قاله د. أسامة الغزالي من زاويتين: الأولى تتناول جوهر الانجاز الذي تم، والثانية تتعلق بالسبب الرئيسي في أنها توقفت ولم تكتمل.. وهنا نتحدث بعيدا عن فكرة أنه كانت هناك مؤامرات على الثورة وأعداء لها، ونركز على البحث في العيوب الذاتية والنواقص الخاصة بالثورة، والتي أدت الى أن هذه الظاهرة لم تكتمل. صحيح أن الفترة السابقة على ثورة يوليو، وهي الفترة التي أسماها د. أسامة «الحقبة الليبرالية»، شهدت ظواهر ايجابية كثيرة فيما يتعلق بالحياة الحزبية والسياسية والثقافية، لكن الحقيقة أن المشكلة الرئيسية التي وجدت «ثورة يوليو» استجابة كبيرة من الناس في تعاملها معها..


هي أنه في ظل كل هذه الاوضاع الايجابية للفترة الليبرالية، كانت الحقيقة الكبرى أن الاقتصاد المصري يعاني من التخلف.. فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه كانت هناك أوضاع مزرية، قبل قيام الثورة، من التخلف الاقتصادي والاجتماعي.


وتعقيبا على ما يقوله د. أسامة، فان فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي حدث فيها نمو اقتصادي كبير بالفعل.. حيث بنى بنك مصر ـ بفضل الاقتصادي الكبير طلعت حرب ـ عدة صناعات، وكذلك فعلت أسر مصرية أخرى، لكن بعد الحرب العالمية الثانية خرجت تقارير اتحاد الصناعات المصرية كلها ـ وهو أكبر مؤسسة مسئولة عن الصناعة في ذلك الوقت ـ تؤكد أنه لا مستقبل أمام الصناعة الوطنية ونموها، الا اذا تمت مواجهة ثلاث ظواهر: أولها ضرورة توسيع «السوق الوطني» الذي كان يتشكل الجزء الاكبر منه ـ في ذلك الوقت ـ من الفلاحين الذين ليست لديهم قدرة شرائية،


والسبب أن كبار ملاك الاراضي الزراعية يستغلون الفلاحين بدرجة لا تسمح بوجود فائض من الدخل لديهم.. يمكنهم من شراء منتجات الصناعات الوطنية الموجودة وقتها، من أقمشة ومنسوجات ومنتجات جلدية.. وغيرها.


الظاهرة الثانية، كانت السيطرة البريطانية على الاقتصاد المصري.. حيث كانت الرأسمالية الانجليزية والاجنبية تتعامل مع الشركات المصرية بوسائل احتكارية.


يضاف الى ذلك مسألة ثالثة، هددت مستقبل ونمو الصناعة المصرية الوليدة قبل ثورة يوليو، هي أنه رغم تخلف تلك الصناعة.. الا أن بعض قطاعاتها وصلت الى مرحلة الاحتكار، خاصة في الاسمنت والسكر وبعض المنسوجات، وتقرير اتحاد الصناعات ـ عام 52/1953 ـ يتحدث عن أنه في صناعتي الاسمنت والسكر لم يكن الانتاج يغطي السوق المحلي


، ورغم ذلك كان المنتجين وأصحاب المصانع يلجأون الى تقليل الانتاج، لكي يحافظوا على السعر الاحتكاري وبالتالي فان الرأسماليين أنفسهم، والمستنيرين منهم خصوصا، كانت كل كتاباتهم تركز على أنه طالما كانت هناك ملكية كبيرة للأرض الزراعية.. وسيطرة أجنبية على الاقتصاد.. وطالما بقي الاحتكار، فانه لا أمل أمام نمو الصناعة الوطنية.. التي هي الامل والوسيلة الاساسية لتقدم الاقتصاد المصري.


وأنا أرى أن أهم انجاز لثورة يوليو، هو أنها تعاملت مع هذه الظاهرة.. عندما أصدرت قانون «الاصلاح الزراعي» الذي صفى الملكية الزراعية، وبذلك سمحت للسوق الوطني أن يتسع. كما أنها قامت بتصفية الملكية الاحتكارية لوسائل الانتاج. والخطوة الثالثة أنها أنهت وجود الاستعمار الانجليزي وبالتالي قضت على السيطرة الاقتصادية الاجنبية، وفتحت الباب أمام نمو الصناعة الرأسمالية. ورغم أن الثورة لم تكن قررت ـ في ذلك الوقت ـ تبني الفكر الاشتراكي، الا أنها أصدرت سلسلة قوانين تسمح بنمو الرأسمال الوطني. وأنا أعتقد أنه بعد مرحلة تالية، اكتشفت الثورة أن ذلك التوجه لا يمكن أن يتم الا من خلال برامج تنموية مخطط لها.


اذن قامت الثورة بتصفية طبقة كبار ملاك الاراضي الزراعيين، وألغت الرأسمالية الاحتكارية، والشركات الأجنبية. وأضافت الثورة ثلاث فئات اجتماعية جديدة، هي: عمال القطاع العام الصناعيين المهرة، وعمال الاصلاح الزراعي، والمتعلمون من أبناء الفلاحين والعمال وبذلك أصبح في مصر «بناء طبقي» جديد، يسمح بالنمو والتطور.. وهذه مسألة يجب أن نقف عندها ونتأملها طويلا.


وما أريد أن أقوله، ان ما أنجزته الثورة في هذا الصدد كان للمجتمع المصري ولم يذهب هباء، فالمصانع التي بنيت مازالت موجودة.. رغم انتقال ملكية معظمها للقطاع الخاص، والعمال والفنيون والمهندسون الذين تعلموا بفضل الثورة مازالوا موجودين في الوطن، وأفادوه كثيرا. وبالتالي، فان الانجازات التي تحققت هي اضافة للمجتمع والاقتصاد المصري، وليست أشياء تتبدد مع تغير السياسات والأشخاص.


أشواق التغيير د. عبد الحليم قنديل : أعتقد أن الدوافع وراء استرجاع تجربة ثورة يوليو، وبعد 50 عاما من قيامها، متعلقة برغبات كامنة في التغيير.. وهي رغبات لم تتحول بعد، أو لم تتوفر الشروط لتحويلها، الى مقدرة على احداث التغيير. وهذه هي النقطة الجوهرية ـ من وجهة نظري ـ التي تجعل الجدال حول الثورة له علاقة بطبيعة الصراع الاجتماعي الدائر الآن في البلاد، وأشواق التغيير وحدود هذا التغيير، والموافقة على أو رفض سياسات بعينها الى آخره.


في هذا السياق، لي بعض الملاحظات..أؤجل الحديث عنها، لأن الكلام الذي قاله د. أسامه الغزالي له علاقة مباشرة بفكرة تذكرنا لثورة يوليو من منظور الوضع الراهن. ومن منظور هذا الوضع، يرى كثيرون أنهم في حاجة الى تأصيل أو افتعال «علاقة ما» بين أميركا وعبد الناصر، لاحداث تبرير أو فرضية تاريخية يرى في ضوئها أن العلاقة الحالية بأميركا، وهي علاقة على ما تعرفون، استطراد طبيعي أو أمر غير معيب، لا يمس فكرة الاستقلال الوطني أو فكرة النهضة ولا التغيير ولا أي شئ. وأنا أعتقد أن افتعال مثل هذه العلاقة فيه نوع من خلط الأوراق.


وعندما نمد الخيط بعد ذلك، نجد أن بريطانيا وفرنسا تدخلتا في «الاعلام المعادي» للثورة، لتصوير عبد الناصر كهتلر جديد في حملة شديدة جدا، وصولا الى التدخل العسكري الذي حدث عام 1956.


بالنسبة لأميركا.. فانه من الطبيعي لها كقوة طالعة.. وراغبة في الهيمنة على المشهد الكوني وبين الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، والتي بدأت تنسحب عنها الشمس، هذه التناقضات لاحظتها قيادة ثورة يوليو وحاولت الاستفادة منها الى أقصى حد. والدليل على ذلك أن أميركا في الفترة من 52 ـ 1956 على الأقل حاولت مع القيادة المصرية في موضوع محدد هو فكرة العلاقة «باسرائيل»، ومحاولة اصطناع أو اقامة علاقة سلام أو تعاون أو هدنة مقابل اغراءات في المعونة، على النمط الذي اتبع فيما بعد لتكريس أو ضمان استمرار «كامب ديفيد»، وانتهى هذا الأمر بالفشل.


وبعد 1956 دخلت أميركا في تناقض مباشر مع حركة التحرر العربي التي قادها «جمال عبد الناصر» ، وأصبحت ـ في العين الأميركية- أخطر على خريطة المنطقة من فكرة دخول الشيوعية على الخط.


ولكن أحب أن أرجع لبعض الملاحظات الأساسية، وأولها أننا ـ في تقديري الشخصي ـ ازاء قوس يمتد 25 عاما من القرن الماضي، وهي الفترة من 1948الى 1973، هو «قوس النهضة» في هذا القرن، وفي القلب منه ثورة يوليو 1952 ونداءات حركة التحرر العربية التي أطلقتها. وأن مد قوس ثورة يوليو، لكي يشمل ما بعدها ـ من عام 1973 الى الآن ـ فيه نوع من خلط الأوراق،وأخشى أنه يخفي نوعا من «التدليس التاريخي» لأن ما جرى في تلك الفترة هو «انقلاب كامل» على الاختيارات الأساسية للثورة، وعلى فكرة التحرر ذاتها وفكرة الاستقلال بجوانبها المختلفة.


النقطة الثانية، أنه في ممهدات ثورة يوليو علينا أن نرى المشهد، بعيدا عن اطلاقات من نوع «الفترة الليبرالية»، فاطلاق هذا التعبير على الفترة من 23 ـ 1952 فيه قدر كبير من التجاوز، لأنه لايمكن الكلام عن أي ديمقراطية ـ يمكن أن نتحدث عنها بارتياح.. وبقدر موثوق به من التناول العلمي ـ في غياب فكرة الاستقلال الوطني..


ولا أعتقد أن أحدا يمكنه أن يدعي توافر هذا الاستقلال في ذلك الوقت. كذلك لايمكن الحديث عن الديمقراطية في غياب فكرة التنمية الذاتية، صحيح أنه كانت هناك نداءات ـ قبل الثورة ـ لتوطين التنمية المصرية ولكسر نفوذ الاحتكارات الأجنبية، لكن أي مراجعة للوضع تجد أن تلك الاحتكارات كانت غالبة على المشهد الاقتصادي والاجتماعي قبل 1952.


هناك نقطة أخرى مهمة، هي أن «المخاض» الذي كان يحدث في التجربة الحزبية التي كانت قائمة، كان ينطوي على شئ مهم، وصل به الى ذروة النهاية ليلة ثورة 1952.


مبالغة محمد عودة: أود هنا أن أعلق على نقطة مهمة، تتعلق بتشخيص نظام ما قبل الثورة، وأقول انه من المبالغة الشديدة ـ ولا أقول الافتراء ـ أن توصف تلك الفترة بالليبرالية. فمحمد محمود باشا حكم بيد من حديد ثلاث سنوات، وصدقي باشا حكم بالحديد والنار ـ لمدة 5 سنوات ـ وقتل الطلبة والمتظاهرين، والوفد تولى الحكم ما مجموعة 7 سنوات خلال 24 عاما.. وأقيل عدة مرات. ثانيا: صحيح انه كانت هناك نهضة صناعية في ظل الليبرالية الاقتصادية، لكنها صناعات خفيفة.. مثل تلك التي تعتمد على محصول القطن، حتى عندما حاول «بنك مصر» كسر احتكار الشركات الأجنبية لتلك الصناعات. أقيل «طلعت حرب» عقابا له على ذلك.


النقطة الثالثة: أن هذه الليبرالية الاقتصادية تركت المواطن المصري في أدنى مستوى معيشة في العالم، قبل الهند فقط، وبمتوسط خمسة أمراض، و80% من المصريين تحت خط الفقر. أما بالنسبة للجانب الثقافي، فصحيح أن الثقافة في مصر كانت مزدهرة منذ أيام «رفاعة الطهطاوي».. لكنها ظلت محصورة في القاهرة


، وكان 80% من الرجال أميون ووصلت النسبة الى 90% بين النساء، وبالتالي لا نستطيع أن نرسم صورة «شبه وردية» عن تلك الفترة.. كذلك، فان مصر لم يكن لديها جيش حقيقي. لأن الجيش المصري، الذي هو أهم مقومات الدولة، احتواه الوجود البريطاني وكان عبارة عن «جيش رديف» استغلته القوات البريطانية كاحتياطي مساند لها خلال الحرب العالمية الثانية. لكن الحقيقة المؤكدة، التي تدعمها شواهد التاريخ، أن ارادة وبذرة وشرارة الثورة موجودة في مصر، منذ أيام الثورة ضد «نابليون».


نقطة أخرى أود الاشارة اليها، هي أن «ثورة يوليو» لم تقم بمساعدة أو مساندة ـ أو حتى بمجرد غض الطرف عنها ـ من أي قوة أو دولة أجنبية، وهذا باعتراف السفير الأميركي في مصر. والدليل على ذلك أن أول خطاب أرسلته الولايات المتحدة الى الثورة، حسب الوثائق الأميركية، جاء فيه أنهم يرحبون بالثورة على أساس أن تدخل مصر في الحلف الموالي لها في الشرق الأوسط، وأن تقبل الصلح مع اسرائيل. وهذا يؤكد على عدم وجود أي معرفة أميركية مسبقة بالثورة ورجالها، أو أهدافهم وتوجهاتهم السياسية والوطنية.


أما بالنسبة للخريطة السياسية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، ففي تقديري ان العالم لم ينقسم الى معسكرين.. بل كانت هناك ثلاثة معسكرات والولايات المتحدة شنت حرباً باردة شديدة على «معسكر باندونج» وقال وزير خارجيتها آنذاك دالاس أنه «لايوجد حياد بين الخير والشر، وأن من ليس معنا.. فهو ضدنا».وأميركا لم تكن تريد أن تحمي مصر، أو أي شعب آخر، من الشيوعية بل كان ما تسعى اليه باستمالة أن ترث النفوذ الأوروبي، وأن تبني الامبراطورية التي تسعى للسيطرة على الكون كله


وهذا بالضبط ما أكده الرئيس الأميركي الأسبق «تيودور روزفلت»، عندما قال: «سيكون القرن العشرين قرنا أميركيا». وسر الحقد الأميركي على «عبد الناصر»، أنه منع منطقة الشرق الأوسط من ان تكون جزءا من «الحزام» الذي تريد الولايات المتحدة اقامته لحصار روسيا.. ولذلك دبرت المخابرات الأميركية والأوروبية محاولات كثيرة لاغتيال «عبد الناصر»، لكنها باءت جميعها بالفشل..


وهناك كتاب مشهور اسمه «حبال من رمال» ، ألفه أحد رجال المخابرات المركزية في الشرق الأوسط، قال فيه انه لم يحدث في التاريخ أن اشتركت أجهزة مخابرات عربية وأميركية واسرائيلية وأوروبية في محاولة القضاء على رجل الا «عبد الناصر» ، ولجأوا في ذلك الى أحط وأدنى الوسائل.. لكن كل تلك الأجهزة منيت ـ كما قال ضابط المخابرات ـ بفشل ذريع ومهين.


العداء الأميركي والغربي لمصر ولثورة يوليو بدأ اذن منذ أن اختار عبد الناصر «باندونج» ورفض الاحلاف، وهذه كانت نقطة التحول في نظرتهم الى الثورة. وزاد من اثارة حفيظتهم، أن عبد الناصر قال «ان ثورة مصر هي القاعدة لثورات التحرر الوطني» وبالفعل تحررت الجزائر. وشقت الثورة طريقها الى اليمن، التي تحدث الأميركيون عن أنهم سيستدرجون عبد الناصر فيها الى فيتنام أخرى.


والنقطة الأخيرة منذ 1970 الى الآن نحن نعيش في ظل «ثورة مضادة».. ردت الثروة الى الملاك الرأسماليين، وأعادت مصر الى كنف الغرب.وأعتقد أن المجتمع المصري يشهد الآن تجمع «نذر ثورة» جديدة، نأمل أنها تكون ديمقراطية.


تفسير النوايا د. أسامة : كل ما قيل اعتبره بمثابة اختلاف في وجهات النظر، وليس عندي أي مشكلة تجاهه.. فكل ما قاله «عودة» عن مسألة الليبرالية يمكن أن نتفق أو نختلف حوله، وما ذهب اليه د. «عبد الحليم» من تفسير كلامي على أنني أريد «تبرير» العلاقة الحالية بأميركا.. اعتبره بمثابة «تفسير للنوايا» وليس للكلام نفسه، فأنا لم أقصد بحديثي على الاطلاق الدفاع عن أميركا أو العلاقة معها ولم أكن «أميركيا» في يوم من الأيام.


د. عبد الحليم : أنا لم أقل ذلك يا دكتور أسامه، لكني كنت أتحدث بشكل عام عن أنه خلال «الموسم» الحالي للهجوم على عبد الناصر، وهو موسم يتكرر سنويا مع اقتراب ذكرى الثورة، لاحظت أن أكثر من متحدث ـ من منطلقات فكرية مختلفة ـ يحاولون الربط بين الثورة ورجالها وبين الولايات المتحدة.. أو سفارتها بالقاهرة، في «ايحاءات» بأن أميركا ربما ساعدت الثورة أو حتى غضت البصر عنها، وبالتالي فان هؤلاء يحاولون «تأصيل» قضية العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة، وأنها تعود الى أيام الثورة


. ومثل هذا التحليل، الذي يربط ما بين ثورة 52 ومحاربة الشيوعية، يمكن دحضه ببساطة شديدة.. فنحن في منطقة كان فيها «شاه ايران» وهو يشكل «النموذج» الذي يمكن أن ينطبق عليه هذا التحليل، حيث أنه كان له دور في محاربة الشيوعية. وفي مصر كان هناك ـ حسب الوثائق الأميركية نفسها ـ الملك فاروق.


وفي تقديري، أنه قد تكون أميركا قد بدأت في «مغازلة» الثورة.. ومحاولة التقرب من رجالها، مدفوعة في ذلك بفكرة وهاجس محاربة الشيوعية لكن المؤكد أنها سرعان ما أكتشفت أن «المارد الجديد» الذي يستيقظ أكثر خطورة وتأثيرا في «سُرة العالم» من المد الشيوعي.


د. أسامة: نحن متفقين في هذه النقطة. لكن أنا أريد التوقف عند ما ذكره د.عبدالحليم، من أن قوس النهضة بدأ من 1948 وحتى عام .1973. ومعنى ذلك أن هناك وجهة نظر تقول اننا الآن منقطعي الصلة كلية بكل ماله علاقة بثورة يوليو، وأن الثورة انتهت عام 1973. وأنا أدعي أننا مازلنا في ظل نظام ثورة


23 يوليو، من الناحية التاريخية والسياسية والاقتصادية.. يعني ملامح النظام الذي رسمته الثورة مازالت هي القائمة حتى الآن، من حيث خصائص العلاقة بالمجتمع المدني، والحريات العامة، والمؤسسات السياسية في الدولة ولا يستطيع أحد أن يقول ان هذا النظام قد تغير. وبالطبع فان الأهداف والسياسات والنوايا المعلنة مختلفة، انما الملامح الهيكلية للنظام ظلت كما هي.. وهذا كلام موضوعي.


مشروع وطني وقومي «البيان»: ندخل الى النقطة الثانية، وهي كيف تطورت الحركة التي قام بها الضباط الاحرار الى مشروع وطني وقومي.. ثم كيف تم تحديد ملامحه، والتطورات التي ادت اليه، والأدوات التي امتلكتها الثورة لتحقيقه. ثم ماخلقه هذا المشروع من أعداء ومن أصدقاء، وأيضا ما أدى اليه من صراع. على مدى نحو ربع قرن من الزمان


؟ محمد عودة : هناك رأي يقول ان «الثورة العرابية» بدأت تاريخيا، حينما أصدر «الوالي سعيد» قرارا بترقية الجنود الفلاحين من «تحت السلاح» ـ أي صف ضباط ـ الى رتبة الضباط.وفي نفس السياق، هناك رأي للمفكر السياسي الفرنسي «جان لابوتير» يقول ان ثورة يوليو بدأت حينما سمح لأبناء الطبقة المتوسطة بدخول الكلية الحربية، بعد عام1936. وأعلق هنا وأقول : ان هؤلاء الذين قاموا بالثورة ـ سواء العرابية أو يوليو ـ ليسوا من «العسكر»، بل هم فلاحون وأبناء فلاحين ممسكين ببنادق، حاولوا بها أن يستخلصوا حقوقهم من الاجنبي المحتل.


هؤلاء أبناء «الطبقة المتوسطة» الذين عاشوا فترة الحرب العالمية الثانية، وعايشوا مشاكل مصر.. وهموم شعبها، ولم يكونوا مجرد «عسكر انقلابيين». وانما كانوا قوة عسكرية وطنية مهمومة بقضايا وطنها وأمتها. كذلك فان هؤلاء الضباط الثوار، عندما دخلوا «كلية أركان الحرب». ورأوا خريطة الشرق الأوسط، عرفوا كيف يتم الاستعداد للسيطرة على المنطقة.


«البيان» : اذن، هؤلاء الضباط انطلقوا من مفاهيم عامة مبسطة في البداية، ثم انتهت حركتهم الى برنامج عمل لمشروع وطني وقومي مركب. كيف تطورت تلك الأفكار البسيطة، التي تبلورت في المبادئ الستة التي أعلنتها الثورة في بدايتها، الى المشروع الذي امتلكه الثورة بعد ذلك.. جمع الأمة العربية كلها ـ في وقت من الأوقات ـ حول أهداف محددة، خاضت الأمة حولها معارك طاحنة من أجل ترجمتها الى واقع


؟ عبدالغفار شكر: النقطة التي بدأت منها، هي أن الضباط الأحرار كان هاجسهم الأساسي هو تحسين مستوى معيشة الناس، وعندهم التزام بثلاث مبادئ أساسية التي تدور حولها أهداف الثورة، والتي كان «عبدالناصر» يتحدث عنها، أولا العداء للاستعمار وأي سيطرة أجنبية، وهذا مبدأ أساسي، كان يحكمهم دائما في كل المعارك التي خاضوها. ثانيا: الانحياز الى الفقراء أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع، أي فكرة العدالة الاجتماعية. أما المبدأ الثالث فهو أنه لابد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


هذه العناصر الثلاث في خلفية فكر الثورة من اليوم الأول لها، دون أن يكون لدى قادتها أيديولوجيا واضحة أو محددة أو متكاملة أو فكر سياسي متبلور.. ولكن عبر معارك الثورة تبلور برنامجها كما انتهى اليه في الميثاق من خلال التزامهم المستمر بهذه المبادئ الثلاثة.


النموذج الاشتراكي


اذن أنا في رأيي ان تفسيرنا لتبلور هذا البرنامج على النحو الذي انتهى اليه، وهو: الاستقلال الوطني، التنمية الاقتصادية والاجتماعية المخططة، والملكية العامة لوسائل الانتاج، العدالة الاجتماعية، عروبة مصر كلها جاءت عبر التزامهم بثلاث مسائل أساسية هي: العداء للاستعمار، الانحياز للفقراء، وأهمية التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي دي اللي لعبت الدور الأساسي في تبلور ما نسميه بالمشروع القومي لثورة يوليو والعداء للاستعمار جاء معه العداء للصهيونية


.. باعتبارها فرع من الاستعمار، رفض السيطرة الأجنبية جاءت معه فكرة ربط تحرر المنطقة العربية بتحرير مصر ولعبها لدورها المؤثر في هذه المنطقة وبالتالي فان «عروبة مصر وكل الأفكار النابعة منها هي من هذه الزاوية. أنا في رأيي ان التزام الثورة بهذه الأفكار الأساسية عبر المعارك التي خاضتها، وعدم الانحراف عنها.. هو الذي أدى الى تبلور هذا البرنامج على النحو الذي أصبح عليه فيما بعد.


عودة: أضيف كلمة بسيطة، وهي ان الاشتراكية والشيوعية كانتا مطروحتين في الحياة السياسية المصرية، فقد كان هناك حزب اشتراكي وكان هناك حزبان شيوعيان. اذن كانت الحلول الاشتراكية والحلول الشيوعية موجودة في الساحة المصرية.


عبدالغفار: في السنوات الأولى من الثورة لم تكن مطروحة.


عودة: أنا أقول أنها كانت معروفة ولم تكن مستورد، وكان فيه خالد محيي الدين ويوسف صديق وكمال رفعت أي أن اليسار كان ممثلا في داخل الثورة وفي قيادتها بدرجات متفاوتة.


«البيان»: هل هناك ملاحظات على كيفية تكوين المشروع القومي لثورة يوليو؟ د. أسامة: أنا متفق مع ما قيل، بمعنى انه من المؤكد أن الثورة عندما قامت لم يكن هناك مذهب أيديولوجي واضح يحركها، فالمبادئ الستة نفسها أعلنت بعد قيام الثورة بعام تقريبا.. وكتاب «فلسفة الثورة» ظهر عام 1954.


الواضح ـ مما ذكره الأستاذ عبدالغفار أنه في البداية كان عندهم أفكار في التنمية الاقتصادية، وكان التصور أن يقوم بهذه التنمية القطاع الخاص ثم حدث التحول. أنا في الحقيقة أدعي أن هناك أحد الأفكار الشائعة التي تقول ان الثورة عرضت على رأس المال أن يساهم وأن يتقدم للتنمية.. ولكنه أعرض عن ذلك، وأنا رأيي أن هناك مبالغة في هذه النقطة


، فمن وجهة نظر رأس المال كان من الصعب جدا أن يتقدم بجرأة ويشارك، لأنها كانت فترة تغير سياسي خطير جدا في أعوام 53 و54 و1955، غليان سياسي ومواجهة مع العالم الخارجي، أي فترة عدم يقين.. وبالتالي ليس هذا هو المناخ الملائم الذي نتصور فيه ان رأس المال يمكن أن يشارك


. النقطة الثانية، أنه لأمر ما فان عبدالناصر شخصيا لم يكن يستريح للأغنياء،وكان عنده «نفور» من الطبقات المالكة.. وميل وحب طبيعي للفقراء والمحتاجين. ومن المعروف انه عاش طول عمره عيشة لا علاقة لها بعيشة الأغنياء والأرستقراطية. وأنا أتصور أن هذا أسهم بسرعة في انه يصبح أكثر ميلا لتقبل النموذج الاشتراكي، وأنا أذكر أنه في أحد خطب عبدالناصر، قال بالنص أن عبدالمنعم القيسوني ذكر أن مجموعة من الرأسماليين يريدون شراء المشروعات بعد عمليات التمصير، فقال له عبدالناصر: «لأ.؟. دول عايزين يلهفوا المشروعات برخص التراب.. وهذا الكلام لا أسمح به».. كان عنده عداء طبيعي للرأسماليين اللي عايزين يلهفوا الحاجة.


انما كيف انتقل هذا الى عبدالناصر وكيف أثر على قراره بحيث تم اتخاذ القرارات التنفيذية لتبني النموذج الاشتراكي.


عودة: عبدالناصر أجاب على هذا السؤال، وقال: «احنا عملنا الخطة الخمسية الأولى وانتظرنا ان الرأسماليين يتقدموا فلم يتقدموا، ففرضنا تأميم البنوك علشان نمول هذه الخطة.. ولما أممنا البنوك ومولنا نجحت الخطة». وقال كذلك: «أنا مابكرهش الأغنياء زي ما بيشعوا، ولست متحيزا ضدهم.. لكن أنا منحاز للفقراء»، وهذا طبيعي في ظل المأساة الاجتماعية التي كانت تعيشها مصر. الغريب أنه بعد نجاح الخطة تسابق أصحاب رأس المال على الدخول فيها.


أسامة الغزالي: هل في هذه الفترة لم يكن هناك علماء وأساتذة اقتصاد، أو اقتصاديين تنفيذيين لهم وجهة نظر مغايرة بشأن نمو الاقتصاد المصري، وهل استسلموا لهذا الخيار الاشتراكي.


عودة: الرأسمالي يريد اقتصاد ربح بينما الثورة كانت تسعى لعمل «بنية أساسية» للاقتصاد المصري. اضافة الى أن كل الاقتصاديين وقتها كانوا يمينيين.


عبدالغفار شكر: الثورة كانت دائما اطارا للصراع، حتى داخلها فقد كان بداخلها مفكرين وباحثين رأسماليين، لذلك جاء تصور عبدالناصر في الميثاق للاشتراكية يحمل سمات من النظامين، يعني ليس هو النموذج..


فما سعت الثورة لتطبيقه هو فكرة الجمع بين الملكية العامة والملكية الخاصة.. والسماح للملكية الخاصة بقدر كبير من الوجود في قطاعات، وان الملكية العامة تلعب الدور القائد لعملية التنمية ككل ذلك لأنه كان هناك صراع داخل النظام نفس، حول أيهما أفضل: هذا.. أو ذاك، وأعتقد أن هذه «التوليفة أو النتيجة التي توصلوا اليها هي محصلة لهذا الصراع».


عودة: عبدالناصر كان أقرب الى النموذج الصيني، فقد كان شديد الاهتمام ومنحازا الى التجربة الصينية، وصديقا شخصيا لشوين لاي، تلك التجربة التي عملت الاقتصاد المختلط: رأسمالي واشتراكي وتعاوني ومستقل ومختلط، أي تعبئة كل الأساليب.. وجعلها تتنافس مع بعضها.


مشروع النهر


د. قنديل: أنا أريد أن ألفت النظر الى أن الحوار دار حول تطور مشروع ثورة يوليو من زاويتين، زاوية التطور الداخلي في تعامل الضباط الأحرار بمنطق التجربة والخطأ مع الفئات الاجتماعية والسياسية الأخرى، وزاوية ثانية تتعلق بالمشهد في الخمسينيات والستينيات الذي كان مميزا باغراء فكرة معينة جاذبة هي فكرة الاشتراكية. وأريد أن ألفت النظر الى زاوية أخرى تتعلق بمشروع النهضة نفسه، وهي زاوية تاريخية تتعلق بالتطور المصري في السياق العربي. بمعنى أن ما نسميه الآن «الناصرية» أو «المشروع القومي».. أنا أعتقد أنه كان موجودا قبل عبدالناصر، وموجودا كحلم وهاجس بعد عبدالناصر وان كان ارتباطه بعبد الناصر يرجع لفكرة الوهج.. فترة التحقق النسبي فترة المخاض.. الى آخره.


بمعنى أننا خلال قرنين من الزمان نحاول صنع النهضة تحت حد السيف الغربي، منذ حملة نابليون الى الهيمنة الأميركية الراهنة.


ومن هنا نجد أن حركة الضباط الأحرار، رغم تكوينها العسكري والقيود التي يفرضها عليها هذا التكوين، استحصلت خبرة طويلة من «حلم النهضة».. والجوانب التي أضافها مسرح الأحداث فيما بعد الحرب العالمية الثانية، من حيث استيعاب القضية الاجتماعية والقومية. اذن الفكرة عميقة الجذور في التفكير.


وأنا هنا أتساءل: هل «عبدالناصر»، في تطبيقه لتجربة الاصلاح الزراعي، كان دارسا في كتاب؟ وأنا أتحدث هنا عن الاستصغار أو الادراك.. استصغار «المضمر الحضاري»، أو الادراك المضاف بأثر التعامل مع الظروف. هذه النقطة التي تجعلنا الآن نجد أنفسنا كما لو كنا نعاني من فكرة تجدد نفس الأسئلة، تجدد الأسئلة نفسها مرتبط بالاخفاقات المتتالية لذات المشروع، التي تظهر في صور متعددة.


«البيان»: اذن حلم النهضة، في جوانبه الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، الذي امتلكته في النهاية ثورة يوليو أين نجح، وأين أخفق؟ أين أنجز، وأين لم يستطع أن يحقق ما يريد. ولماذا كانت في النهاية ما نسميه الانقضاض على الثورة، أو سنوات الردة؟ ولماذا حدث ما حدث مع المشروع الذي امتلكته مصر بقيادة عبدالناصر؟


عودة: ان ما خلفته ثورة يوليو هو باق وصلب وقائم لا يستطيع أحد أن ينكر أننا استرددنا الارادة كاملة، وأننا عملنا خطة خمسية ناجحة الى آخر انجازات ثورة يوليو: المصانع والمزارع.. وأهم شئ أننا بنينا «جيش حقيقي» حقق التوازن الاستراتيجي في المنطقة. يعني جيش مصري في ظل هزيمة قوية وحاربنا في اكتوبر 1973 بجيش من المتعلمين والمثقفين استطاعوا أن يحطموا «خط بارليف «الذي قال عنه اليهود أنه حسم نهائيا استراتيجية المنطقة والسيادة الاسرائيلية. الى آخره.


شعلة الثورة لم تنطفئ. في داخلنا الآن صراع مستميت بين قوى الثورة.. وقوى الثورة المضادة، لأن المشكلة الاجتماعية والمشكلة القومية نعيشان في أزمة سوف تنعكس على كل هذه المشاكل، ونحن الآن ـ خصوصا بعد الانتفاضة ـ نواجه موقفا وتحديات جديدة، وهذه التحديات الجديدة سيكون لها تأثيرها على الداخل وعلى الواقع، فنحن الآن في موقف دقيق وعصيب ولكنه ليس موقفا مخيفا بالنسبة لنا.


نقد الثورة


عبدالغفار شكر: أنا أعتقد أنه ـ كما يقول الأستاذ عودة ـ أن البرنامج الذي بلورته ثورة يوليو لم يفقد صلاحيته، وهذه الصلاحية ـ أو عدمها ـ مسألة لا تتحقق تلقائيا، وانما محتاجة الى أن يقوم المؤمنون بهذا المشروع بنقد الثورة لكي يتعرفوا على نقطة الضعف الرئيسية فيها.


لأن هذا المشروع لن يبعث من جديد باستنساخ كل ما جرى فيه، ولكنه يبعث في اطار الغايات والأهداف. أنا رأيي أنه ما لم يحدث هذا، فان المشروع سيظل حلما وفي اعتقادي أن نقطة الضعف الرئيسية في مسيرة ثورة يوليو هي ظهور «الطبقة الجديدة» التي سرقت الثورة وهي التي انحازت الى أنور السادات في صراعه مع رجال الحكم وهي التي وضعت أساس التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة هذه الطبقة هي نتاج موضوعي لمجموعة من الظواهر حصلت، وهي:


1ـ سهولة الاستيلاء على السلطة يوم 23 يوليو 1952 وعدم الحاجة الى تدمير جهاز الدولة القديم والاستعانة به في تحقيق انجازات الثورة.


2ـ ان الثورة، عندما استولت بسهولة على السلطة السياسية، وجدت أمامها جهاز دولة «فركبته» من فوق، واستخدمته بنفس ناسه وأفكاره في تحقيق انجازاتها الكبرى. وكان الهاجس المستمر عند عبد الناصر هو تغيير هذا الجهاز، مرة بالثورة الادارية، ومرة بالاصلاح الاداري ومرة بالتطهير، لكن في النهاية هذا الجهاز لعب دورا سلبيا.


3ـ ان قرارات الثورة الكبرى نفذت بواسطة أجهزة الدولة، وليس بواسطة أجهزة ثورية.


4ـ انه تم حرمان كل القوى السياسية من المنافسة السياسية العامة، واكتفت الثورة بتنظيم سياسي واحد وعندما نضجت الأوضاع الطبقية في المجتمع طرح عبدالناصر فكرة امكانية الانتقال الى التعددية الحزبية ولم يحدث هذا الانتقال.


5ـ الأهم من هذا كله، والذي لعب دورا سلبيا عندما بدأت الانتكاسة على الثورة، هو الوصاية التي فرضت على المنظمات الجماهيرية للعمال والفلاحين والمهنيين والطلبة وبالتالي ألحقت هذه التنظيمات بالتنظيم السياسي، الذي لم يكن يحكم.. ولكن كان أداة موصلة بين القيادة والقاعدة. 6- في النهاية تحولت البيروقراطية والتكنوقراطية التي تقود جهاز الدولة، في ظل عملية تصنيع واسعة النطاق..


وفي ظل توسع كبير في جهاز الخدمات، الى أنها تستأثر بجزء من العائد القومي.. تحولت بمقتضاه من بيروقراطية وتكنوقراطية الى «برجوازية بيروقراطية» والى رأسمالية بيروقراطية. واحنا عارفين الأمثلة في مئات من رؤساء مجالس ادارات الشركات وكبار الموظفين فيها، الذين نهبوا وسرقوا ثروات البلاد.


أخلص من ذلك الى أن الذي حصل، نتيجة لهذا المسار، أن الطبقة هذه وهي في موقع السلطة العليا، استطاعت أن تستخدم نفوذها في أن يجري التحول من أعلى نحو الأوضاع الرأسمالية الجديدة. ورغم أن الطبقات المستفيدة من انجازات الثورة الاقتصادية والاجتماعية ناضلت ودافعت ضد هذا التحول، الا أنهم لم يكونوا في وضع يمكنهم من ان يتصدوا ـ كحركة جماهيرية مستقلة ـ لهذه الهجمة


. رغم ذلك أقول أنه ما زال المستقبل للمشروع القومي الذي بلورته ثورة يوليو، والذي حققت من خلاله انجازات مهمة جدا في المجال الوطني القومي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والثقافي.. بشرط أن يعطي «الناصريون» ـ أصحاب هذا المشروع ـ في الفترة المقبلة، الأولوية للديمقراطية. وأن يكون هذا هو الدرس الأساسي المستفاد من مسيرة ثورة يوليو.


الوصفة السحرية د. عبدالحليم: أنا أريد أن أتأمل الفكرة التي طرحها الأستاذ عبدالغفار قليلا، وهي فكرة التوصية العامة للديمقراطية بمعنى التعدد الفكري والسياسي، والفصل بين السلطات، حقوق الانسان، تداول السلطة، حرية التعبير..


الى آخره، أي «الوصفة السحرية» للديمقراطية. وأريد أن أقول أنها ليست وصفة سحرية بذاتها ان لم ترتبط بغيرها من العناصر، بمعنى أنه يمكن أن تأتي كل هذه الأشياء في سياق سياسي واقتصادي معين فلا تؤتي الثمار المرجوة في احداث تطوير، ان لم تكن خارجة من قلب التناقضات الاقتصادية الاجتماعية السياسية وتاريخ تطور البلد يقول انه قبل ثورة 1952 هناك كلام عن الليبرالية وبعد الثورة بنحو عشرين عاما ـ


وبالتحديد بعد 1973 ـ هناك كلام أيضا عن الليبرالية. اذن أستطيع أن أقول ان عندك «قوس نهضة» سبقه ولحقه كلام عن ليبراليتين مشوهتين. ومن التحصيل الحاصل هنا أن أقول أنه منذ سنة 1976 الى سنة 2002، أي ربع قرن كامل، يوجد كلام عن تعددية مقيدة قابلة للتطوير من داخلها..


وفك قيودها، والتحول لتعددية حقيقية ورغم هذه المدة، نجد أنها ما تحولت الى تعددية حقيقية.. ولا حققت قدرا أوسع من المشاركة السياسية، ولا أي نهوض ثقافي، ولا توفير حريات عامة... لماذا؟.. في تصوري الشخصي أن ذلك نتيجة مباشرة لفك الارتباط بالشرط القومي والشرط الاجتماعي. اذن فك ارتباط الشرط الديمقراطي بالشرط القومي والشرط الاجتماعي، سوف نجد ان فكرة الديمقراطية عموما قد تكون اطارا لاعادة الارتباط بالغرب على نحو ما جرى. ومن هنا فان فكرة تعدد الشروط وتعدد الجوانب هذه نقطة أساسية في الكلام عن المشروع القومي.


النقطة الثانية: من الأفكار الأساسية التي راجت، ان ثورة يوليو من نقائصها الأساسية انها لم توجد تنظيما سياسيا وأيديولوجية كاملة من البداية.. فلذا سهل الانقضاض عليها، وهذا كلام له قدر كبير من المصداقية من حيث الوقائع.. وأنا أريد أن أصل بهذه المصداقية الى حدها المتطرف، فأقول ان جمال عبدالناصر شخصيا كان هو ممثل الجناح الناصري في النظام الناصري، وانه بوفاته اختفى هذا الجناح.. فتداعت مضامين الأشياء.


فعلا هناك أخطاء، يمكن أن نعدها بصفة اجرائية في أسئلة حائرة: لماذا جاء بالسادات؟ لماذا سكت على عبدالحكيم عامر؟.. وما هي جدوى التنظيمات التي أقيمت في حضن جهاز الدولة، باستثناء وحيد هو تجربة منظمة الشباب حتى عام .1968. وقضية الانفصال: لماذا فرط في فكرة منع الانفصال بالقوة، وهو كان يملك ذلك.. ويملك التأييد؟ في كل تلك القضايا، في تقديري أننا اذا أبعدنا الكلام عن الديمقراطية.. وتأملنا المسألة من زاوية أنها مشروع نهضة، فقد وضعت قضية التكوين العسكري في نخبة ثورة يوليو قيودا على عدم توافر نخبة متجانسة أوسع نطاقا، مستوعبة للمشروع ومنحازة اليه.. لا تتفق معه بالقطعة، نخبة بها مدنيين وعسكريين.


د. أسامة: أولا أنا سعيد بما قاله الدكتور عبدالحليم، فيما يتعلق بتخوفه الحالي من مسألة ان الديمقراطية عندما تأتي في شروط معينة.. يمكن ألا تكون فعالة، وهذا يذكرني الآن بالالحاح الأميركي على الديمقراطية في بلادنا.. وبيفرضوا الديمقراطية على «ياسر عرفات»، وبعد قليل سيفرضون نفس الكلام على آخرين، وللأسف سوف تشوه الدعوة الى الديمقراطية.. وتربط بالعلاقة مع أميركا ومع اسرائيل، أي أننا دخلنا في «كارثة» ثانية.


لكن هناك سؤال أطلب تفسيرا له من عودة، هو: لماذا كانت فكرة الديمقراطية غائبة بالفعل عن ذهن عبدالناصر وكذلك مسألة الحريات الفردية بالشكل التقليدي؟


يضاف الى هذا، أن جوهر التراث السياسي والحياة السياسية المصرية وروح مصر.. ليست هي فكرة الحرية والديمقراطية، وانما هي فكرة الدولة.. وجهاز الدولة وسطوته. وهذه مسألة غالبة منذ عهد الفراعنة، فضلا عن أن «جمال عبدالناصر» كان يتمتع «بجوهر ما» من الديمقراطية، وهو أن الشعب يؤيده.. ولاشك أنه وراءه، فجعلت المسألة بديهية ولا تحتاج الى تفويض. فهو كان يتحدث باسم هذه الجماهير التي تحبه وتؤيده بهذا الشكل الكاسح.


وكان من نتيجة ذلك كله، أنه بالرغم من أن عبدالناصر كان حساسا جدا لحرية الدولة المصرية.. انما لم يكن مهتما في نفس الوقت بما نسميه حرية المجتمع، بل كان يهتم بحرية الطبقة.. وتحرير طبقة العمال والفلاحين، انما ليس حرية الفرد.. وهذا الاهمال لحرية الفرد، كان في رأيي أحد المثالب الأساسية التي تفسر معظم الاخفاقات التي حدثت لثورة يوليو.


د. عبدالحليم قنديل: لو توقفنا عند فكرة استنتاج التطابق أو التواصل في فكرة الأشكال وآليات الحكم، هي فكرة مغرية بالتصديق.. ولكن لو توقفنا عندها سوف نصل الى نتائج شديدة الغرابة، نجد مثلا أن كافة الأنظمة المقيدة لا يوجد أي فرق بينها على الاطلاق وبالتالي تنتفي الفروق الاقتصادية والاجتماعية والنهضوية في كافة الاتجاهات. على سبيل المثال بما ان الجيل الأول للضباط الأحرار كان هو العنصر الداعم، ثم بعد أكتوبر 1973 هناك جيل آخر في المؤسسة العسكرية،


وانه كان يوجد جهاز الدولة طول الوقت اذا أنا صدقت على هذين العنصرين، باعتبارهما عناصر أدعى الى تصديق فكرة الاستمرارية، فانني هنا أغفل أمورا أكثر أهمية.. منها ـ مثلا ـ أن الذي حصل بالفعل بعد حرب أكتوبر 1973 أن حد السلاح مضى في طريق.. وحد السياسة خان ما أنجزه السلاح، هذا في تقديري الشخصي، وترتب على ذلك تغيير جوهري في الاختيارات الأساسية جرى بطريقة متدرجة، أو بطريقة بها صراعات.. لكن وصل في النهاية الى اعادة تبعية البلد وارتهان قرارها السياسي والاقتصادي.


عبدالغفار شكر: أنا لا أقول ان نظام يوليو موجود اليوم، أنا أرى أنه بعد أكتوبر 1973 - وبالتحديد منذ عام 1975 - حدث تخلي عن السياسات الرئيسية لثورة يوليو، الاقتصادية والاجتماعية والطبقية والوطنية. د. اسامة: أنا أيضا من المؤمنين بذلك، وقلت ـ في أحد مقالاتي ـ أن «يوليو انتهت مع حرب 1973».


عبدالغفار شكر: نحن متفقون في هذا. وأضيف أنه صحيح أن الديمقراطية السياسية لا تنفصل عن الكيان الاقتصادي والمضمون الطبقي، وأقول ان الديمقراطية يجب أن تكون أساسية وهي هنا ليست بمعنى الديمقراطية الليبرالية فقط، انما الديمقراطية ـ في رأيي ـ يجب أن تنبني على ما حققته الليبرالية من انجازات في التطور الديمقراطي.


ومن هنا يصبح القضية هي أن كلمة الديمقراطية بدلا من «النضال بالنيابة عن الجماهير ومن أجل الجماهير»، يجب النضال انطلاقا من حركة جماهيرية مستقلة للقوى الاجتماعية والوطنية والقومية المستفيدة من هذا الموضوع.


د. محمد عودة: أنا أريد أن أقول اننا جميعا نريد الديمقراطية، لكن الديمقراطية ليست «روشتة» في الصيدلية.. نستطيع الحصول عليها بسهولة، انما يجب أن تكون هناك «بنية تحتية» تقوم عليها الديمقراطية. فالديمقراطية الغربية ـ مثلا ـ قامت على ثلاث ثورات: الثورة الفرنسية والانجليزية والأميركية وعلى حركة التنوير، وعلى الثورة الصناعية.. وعلى قيام طبقة جديدة ديناميكية هي التي عملت الديمقراطية الليبرالية في أوروبا.


ما أريد أن أقوله ان سر تهاوي الديمقراطية في بلادنا هو أن «البنية التحتية» ليست موجودة، فعندما يكون عندك اقتصاد زراعي شبه اقطاعي متهالك.. وعندك نسبة تعليم 5%.. وعندك سيادة منقوصة، فلا يمكن أن تتحدث عن الديمقراطية.. والذي حدث أن الجهد الديمقراطي لثورة يوليو أنها استبسلت في بناء البنية التحتية، استبسلت في بناء أساس اقتصادي.. أساس ثقافي.. أساس فكري، لكي تقوم عليه الديمقراطية.. ثم أجهضت هذه التجربة.


لذلك، أنا أعتقد أن الطريق الوحيد لاستعادة «روح» ثورة يوليو، هو أنه لابد أن يكون هناك تنظيم جديد ليس الضباط الأحرار، وانما تنظيم المثقفين أو القادة الأحرار.. وهذا يحتاج الى «مقاتلين» يشتغلون وسط الناس.


د. اسامة: ولكن هل يقود المثقفون ثورة؟ د. عودة: نعم.. هناك الثوريون المثقفون، وكل الذين قاموا بالثورات كانوا مثقفين.


د. عبدالحليم: استمرار ثورة يوليو كان شرطا الى حد كبير للتطور الى الديمقراطية وهذا كلام قاله من انتقلوا الى مواقع شديدة العداء لتراث ثورة. أنا هنا أتحدث عن التنمية والتقدم، والعصر الذهبي للتنمية على خريطة القرن هو في زمن ثورة يوليو من سنة 1956 ـ 1966 أى عشر سنوات متحصلة ـ كانت هناك نتنمية بالتراكم وكان تقرير البنك الدولي يقول أن لدينا معدل متواصل للتنمية يدور حول 7%، وفي الخطة الخمسية الأولى كانت تصل الى 10%.


وبعد 1967، ورغم توجيه غالب موارد الدولة للمجهود الحربي، جرى معدل التنمية على النحو التالي: من 67 الى 1969 كان 4%، ومن 69 الى 1973 أصبح 1.5 % وهذه معدلات عندما نقارنها بالمعدل الذي وصل الآن 5.2%، أو أوائل التسعينيات عندما كان تحت الصفر، نكتشف أنه لم تفلت فقط فكرة مشروع النهضة.. وانما انتهت أيضا فكرة اجراء تنمية حقيقية.


وأسباب هذا التراجع، الذي نراه الآن أيضا في الوضع والقوة السياسية والعسكرية المؤثرة.. اضافة لغياب الحريات العامة، تكمن ـ فيما اعتقد ـ في اننا افتقدنا (البوصلة المرشدة) التي كانت تمثلها ثورة يوليو، أو مانسميه (حلم النهضة) الذي لا يعبر فوق التحيزات الاجتماعية أو التاريخية، انما هو يشكل (الاختيار الاساسي).. نحن نعيش الآن مرحلة غياب الاختيار الأساسي.


دروس التاريخ محمد عودة: نعود لاستحضار التاريخ، لنتعلم منه دروسا تفيد الواقع.


الآن، نحن مواجهين بتحد أكبر وهو الآن الولايات المتحدة الأميركية تتعهد بضمان التفوق النوعي لاسرائيل على كل الدول العربية مجتمعة، وهي قاعدة أساسية في السياسة الأميركية. ولنتذكر أن (بن جوريون) قال ان منطقة الشرق الأوسط (لا تسع دولتين كبيرتين.. فاما مصر، واما اسرائيل)..


وهذا هو ما أشار اليه مدير المخابرات الاسرائيلية الأسبق، عندما قال (ان اتفاقيات كامب ديفيد لم تكن مهمتها هي الصلح مع مصر أو غيرها من الدول العربية، وانما كان هدفها عزل مصر، واخراجها من الصراع.. وتحييدها لكي تظل في الجنوب)!! وهذا هو الخطر الحقيقي الكبير، الذي يفوق كل التحديات التي تواجهنا وهو الخطر الذي يراد به أن يمنعنا من اقامة ديمقراطية، ومن بناء اقتصاد حقيقي.. لأنه لابد أن تكون مصر (مكملة لاسرائيل) ولذلك تحولت مصر من دولة صناعية زراعية سياحية، الى دولة سياحية فقط. (ثورة يوليو) كانت تبني مصانع، أما الآن.. فاننا نبني قرى سياحية!


كذلك فاننا اشتركنا في (العولمة) لكن فتحنا أسواقنا للبضائع الأميركية والأجنبية.. بدون وجود منتجات مقابلة نصدرها الى تلك الأسواق. هذا هو ـ في رأيى ـ (التحدي الأكبر) الذي علينا أن نواجهه، كي نستطيع أن نبني المجتمع الذي نتمناه.


استعادة المشروع القومي «البيان»: هل من أمل في استعادة المشروع القومي، وماهي شروط استعادته في ظل هذه الظروف الصعبة، من سطوة أميركية مطلقة.. وعربدة اسرائيلية، وفي ظل ظروف قاسية يمر بها العالم العربي. هل من أمل، أم أن الانسحاق هو المصير؟! د.قنديل: أولا لا يوجد مجتمع يتوقف عن الدوران، ومايحدث في مصر على سبيل المثال ـ وهي قلب العالم العربي وميزانه ـ أن السطح يبدو هادئا.. مميتا، ولكن (الباطن) ربما يتحرك بشئ آخر وفي تقديري أن السياسة ـ على السطح ـ يبدو أنها ماتت، في مقابل ازدياد منسوب ماأسميه (السياسة الجوفية) فنحن مجتمع قد يبدو على السطح أنه توقف عن الدوران، وفي حالة شلل.. أو في حالةفرجة ومراقبة وانتظار للمجهول


محمد عودة: أعود فأقول انني حينما أرى انتفاضة شباب موريتانيا واليمن والجزائر وتونس، بهذا القدر.. وتلك الحرارة، من أجل قضية فلسطين.. فلا أظن أن المشروع القومي تدهور، بل أن هذا (رد اعتبار) لهذا المشروع. وحينما تثور مشكلة العدوان على العراق، فتتفق كل الأمة العربية ـ بما فيها الحكام ـ على رفض ضرب العراق فلا يمكن أن أتصور أن المشروع القومي قد انحسر، فهو مشروع حي ويضاف اليه كل يوم مقومات، لكنه يريد قيادات وكوادر.


ـ «البيان»: اذن هل الأزمة في عدم وجود القيادات؟ ــ عودة: الأزمة ليست أزمة تعبئة وتنظيم فقط، ولكن هي أيضا أزمة (اثراء فكري).


د.أسامة: اتفق مع الأستاذ عودة، أنه يمكن اعادة احياء المشروع القومي واننا يمكن أن نجد نزوعا الى هذا التوجه القومي العام في كل أنحاء الوطن العربي، وانما يجب أن نلتفت الى مسألة (القصور الديمقراطي) هذه مشكلة ليست خاصة بالتجربة المصرية وثورة (23 يوليو)، لكنها متعلقة بالعالم العربي كله.. ويجب أن نفرق هنا بين أن الوعي القومي العربي يقف بقوة - مثلا ـ مع الحفاظ على العراق، كقطر أساسي في المنظومة العربية، وبين أن هذه الوعي يرفض النظم المعادية للديمقراطية والتي كانت أحد أسباب النكسات التي نحن فيها.


تجديد المشروع القومي ـ اذن ـ يكون بالديمقراطية أولا، وبالقدرة على التفاعل الخلاق مع العصر ثانيا ومع التحديات الجديدة التي فرضها ـ للأسف الشديد. وشئنا أم أبينا ـ عالم مابعد (11 سبتمبر).


عبدالغفار شكر: من المهم اعادة (طرح المشروع) على الظروف الجديدة: المصرية والاقليمية والدولية، والبحث عن سبل وامكانات تجعل المشروع قابلا للتطبيق في ظل هذه الظروف الجديدة، التي تتحكم فيها قوة وحيدة تقود العالم. وهي التي كانت تقف دائما ضد الاستقلال والتنمية الوطنية.


لابد أيضا من ضرورة تبلور (قيادة جديدة) على نفس مستوى قيادة ثورة يوليو.


د.عبدالحليم قنديل: أنا أعتبر أن قطاعات كبيرة من الظاهرة الاسلامية هي (قومية) في حقيقتها، من ناحية أنها تنطوي على التعبير عن (الذات القومية) بصورة مغايرة للصورة النقية كاملة العقلانية التي نتصورها. لأن تاريخ المنطقة دائما يظهر أنه في مرحلة الاحتجاج والمقاومة، تعلو فيها الظاهرة الدينية وصوت الاسلام.. وحين ينتقل من الاحتجاج الى التغيير، ينشأ التناقض على صعيد (العقلانية) والاتباعية.. مثلما جرى الأمر بين محمد علي وعمر مكرم، وكما جرى بين الاخوان وجمال عبدالناصر.


وأخيرا، أقول انه ليست مشكلة العالم العربي، ولا مثقفيه أو قواه السياسية.. ولا مشروع النهضة، هي مشكلة أفكار.. بالعكس، فان هناك ترسانة هائلة من الكتابات والدراسات التي لم تتح للمشروع القومي في أي لحظة.. لكن المشكلة تكمن في أن التيار القومي عندما انسحب الى حالة (التأمل)، فانه فقد مواقع (الفعل).. والفعل هو الشئ الوحيد المطلوب الآن، فلا قيمة لفكر مالم يمتحن.. و(السيف أصدق انباء من الكتب).


محمد عودة: قال المستشرق الفرنسي (جاك بيرن)، وهو من أعظم المستشرقين والمفكرين، في مقدمة كتابه ـ المرجع ـ عن (مصر.. الثورة والاستعمار: (مصر قد تخسر أحيانا.. لكنها لا تضيع أبدا)


أدار الندوة : جلال عارف ـ أعدها للنشر: كارم محمود القاهرة ـ مكتب «البيان


البيان الإماراتية
24.7.2002